شعار قسم مدونات

محنة الكاتب وإرهاصات الكتابة

blogs الكتابة

لا تحظرني الكتابة وهي التي تراودني كما تراود المحبوبة حبيبها وعندما تستل مني كبريائي فأقبل بالقلم والورق معانقا فتتمنع ولست بالذي يطيق تمنعها، والكتابة ليست من ترف الأمور ولا صغائر الأشياء وقبائح العادات ولكنها من طقوس الكادحين الساهرين على ضوء القمر يستضلون بأشعار أحمد مطر ومراهقات نزار قباني ومن أبجديات المدمنين على هرطقات افلاطون وجنون فريديريك نيشته وعراقة غوستاف لوبونو بديع الزمان النورسي، وإن الكتابة واحة الأنس وبلسم الحياة وصفوة الأصدقاء إذا ما حضرت أسعدتك واسترسلت أنت في حديث المرارة والتعاسة فصدقتك تسمع بإنصات وتسجل الأناة وتكتبك كما أردت، وإذا ما سألتني عنها وأنا الذي قابلتها مرات ومرات فإنها روح خارت في لجمها الأجساد وأنوثة صاخبة داكنة البياض، نعم إنها أنثى متمردة لا تحضر إلا إذا أطلقت العنان لجموحها الذي لا تحده الأفاق .

أتذكر ذات يوم وقد نظمت في المدرسة مسابقة للكتابة والشعر وكنا صغارا في الأبدان كبارا في الأحلام والغايات نرى في المعلمين والمعلمات أشجارا باسقات لا تثمر إلا حلوا طيبا نستلهم منهم العزيمة والهمة والحياة وأين ذلك العهد الجميل من التلاطم الذي نعيشه اليوم، بدأت المسابقة وأفاض الجميع من مكنونات مواهبهم شعرا ونثرا وكتبت يومها مقالا أمدح فيه قلمي وأصفه كما لم يوصف قلم كاتب قط وأتذكر يومها كم كان الموقف طريفا وانا أشبه كتاباتي البائسة الصغيرة بسمفونيات بيتهوفن وموزار والجمع المستمع في ضحك مستمر لم يكسره غير رخامة صوت ناظر المدرسة وقامته الطويلة وقد سار في وقار ودماثة خلق متجها نحوي وكنت أرى فيه جبلا شامخا، انحنى لي وهمس في أذني قائلا: الكتاب العظماء يغيرون مزاج الجمهور، يجعلونهم يضحكون أو يبكون، هنيئا لك أيها الكاتب الصغير.

 

إنه الكاتب يجمع شتات الإنسانية في جيبه ويخطه في أوراق بيضاء ويقذف به فتنثره الريح كما تنثر حبات الرمل وقطرات الندى غيثا يوقظ العطشى من سباتهم ويعيد لهم اللحظة الأخير لعلها لا تكون كذلك

فقلت في نفسي والفرح يملأ ربوع جسدي النحيل كاتب صغير، إذا لابد أن يكبر الكاتب الصغير ليحدث ضجة في العالم وتتنافس لأجله الصحف والمجلات ودور النشر وتسارع في استضافته القنوات والمحطات، أنا كاتب وغدا سأنتج كتبا يسير عليها السائرون من طنجة إلى جاكرتا، أليس كذلك؟ ألا يغير الكاتب البشرية والإنسانية ويضفي على الكون نوره الوضاء، ألا يفتح الكاتب العقول ويطهر القلوب ويرسخ المبادئ والقيم والأخلاق ويحتفي بالفن والجمال والفلسفة، هو متمرد على الأشياء والعادات وكيف يكون كاتبا إذا؟ ما الكاتب إذا لم تعانق سجيته وملكته عنان الخيال.

هل كان ليو تولستوي ليمتع العالم برائعة "أنا كرينيان" و"الحرب والسلم" لو أنه كان يفكر بعقلانية علماء الرياضيات والفيزياء، وهل كان لفيكتور هيجوا أن ينقل عناء الفقراء والمسحوقين والكادحين في فرنسا وأوروبا لو أنه فكر بجشع أمراء الحرب ومكر تجار السياسة، إنه الكاتب يجمع شتات الإنسانية في جيبه ويخطه في أوراق بيضاء ويقذف به فتنثره الريح كما تنثر حبات الرمل وقطرات الندى غيثا يوقظ العطشى من سباتهم ويعيد لهم اللحظة الأخير لعلها لا تكون كذلك.

 

لذا كنت أرى في عالم الكاتب والكتابة شيئا عظيما الكثير من الفضائل والأخلاق والزهد والتصوف والقليل اليسير من مغانم الدنيا، ولست أجد صورة أوضح لحال الكاتب في عالمنا من الصورة التي أوردها الكاتب الفرنسي فيكتور هيجو للشاعر والمؤلف جرنجوار في رواية أحدب نوتردام، لقد كان أقل شئنا من كل شيء مفلسا هائما على وجهه بل هو أقل شرفا من اللصوص وقطاع الطرق في مدينة استبدلت الشريف باللص والحكيم بالفاجر ومتعة الأمر أن المعاناة لا تمنع الكاتب من الإنتاج بل على العكس تماما فهي تهديه ما يحتاج من إلهام وقريحة مفتوحة ليمارس طقوسه ويبدع في صناعة عالمه الخاص .

إن الكاتب عظيم 

أكتب لأجمع شتاتي وأبدأ من جديد، أكتب لأنني يجب أن أستنشق الهواء العليل وأرتشق القهوة الحلوة وأقرأ على مكث الفصل الأخير من مسرحية تاجر البندقية، أكتب لأن الطغاة والخونة والأشرار والوحوش لا يكتبون

لأنه لا يأبه للعالم ولا يتأثر بحركة الكون ولا تموجات البشر هو ابن صومعته ورفيق القلم والورق، يصنع لنفسه عالما يتأرجح ما بين الشر والخير وما بين القبح والجمال وبين الحرب والسلم ولكنه في أخر الفصل ينتصر لتلك القيم السامية جميعا، أنه يصنع لنفسه ولمن اجتاحتهم الكأبة واليأس بسبب هذا العالم المتوحش نوعا من الهدهدة والسكون النفسي، إنه يبعث في الأمل أنفاسا وأنفاسا، لهذا لازلت وبشغف أنتظر أن يكبر الكاتب الصغير، إن الكاتب يشعل نيران الحرب ويقرع طبول الثأر والانتقام وينفخ في لهيب الثورات معلنا الزحف الشامل على كل قيم الحياة الطاغية القبيحة، الثورة وجدان الكاتب بشعبها، بغضبها، بوحشيتها، بمشانقها وكرامتها برياحها وعواصفها، بشهدائها وخونتها، بكل أبجديات البركان الأهوج الثائر ينتشي الكاتب ويحتفي فلا قداسة في غياب التمرد والجنون .

لماذا نكتب؟
يقول نزار قباني: "أكتب لأني لم أجد طريقة أفضل للانتحار، ولأنني لا أستطيع استبدال دمي بعصير البندورة، اكتب بالحتمية ذاتها التي ترتفع فيها السنبلة ويفيض البحر ويكتظ الثدي بالحليب، هل يجيبك ثدي المرأة إذا سألته لماذا هو مكتظ بالحليب؟ إنني أكتب لتصبح مساحة الفرح في العالم أكبر ومساحة الحزن أقل، أكتب لأغير طقس العالم وأجعل الشمس أكثر حنانا والسماء أكثر زرقة والبحر أقل ملوحة، إنني أكتب لأتزوج العالم حتى أتكاثر حتى أتعدد حتى أصبح 150 مليون نزار".

أما أنا فأكتب لأجمع شتاتي وأبدأ من جديد، أكتب لأنني يجب أن أستنشق الهواء العليل وأرتشق القهوة الحلوة وأقرأ على مكث الفصل الأخير من مسرحية تاجر البندقية، أكتب لأن الطغاة والخونة والأشرار والوحوش لا يكتبون، أكتب حتى أستطيع أن أكون هناك في طنجة بجانب صبية كادحة رقيقة تبكي وجع الحياة فأكفكف دمعها وأخبرها أنها ليست لوحدها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.