شعار قسم مدونات

فيصل القاسم.. حجّاج الإعلام العربي

مدونات - فيصل القاسم

"أيُّها العرب إنّ الإعلامَ أطال الله بقائه قد ولّاني أمْركم وأمَرني بِإنصاف مظلومكمْ وإمْضاء الحُكْمِ على ظالمكم وأُخبركم أنّه حين ولّاني عليكم قلّدني بقلمين قلمُ الرحمة وقُلم العذاب والنَّقمة، أمّا قلمُ الرّحمة فقدْ سقَط منّي في الطريق فأضعْته وأمّا قلمُ العذاب والنَّقمة فهذا هو، وإنّي والله قد فُتِّشْتُ عن تجربة وجُرّبْتُ إلى الغاية القُصوى فإنّ الإعلام أطال الله بقائه نَثلَ كِنانتهُ بين يديه فعجم عيدانها فوَجدني أمَرَّها عودا وأصْلبها مكسرا فَرَماكم بي لأنّكم أوْضعْتم في الظُّلم والطغيان ومصادرة الرّأي". تلك كلمات أحسبها مقدمة تليق ببرنامج الإعلاميّ الشّهير فيصل القاسم وأخاله يكادُ أن يؤمّ بها جماهيره مُستعيرا منطوقها من داهية العرب الحجّاج بن يوسف والي الأمويّين على العراق مرسخا مفهومها بأفعاله وبذلك الأسلوب الإعلامي المتميز الذي عزّ نظيره والذي يستهلّ به برنامجه الأسبوعي الاتّجاه المعاكس.
 

فلطالما أصابني الشُّرود وأنا أتابع مقدمته الرنانة الفصيحة المُكتنزة بالدّهاء وبالوعيد أحيانا لأنفصل عن كلّ ما يقوله للحظات وأستحضر ما كنا قد قرأناه في صغرنا من خُطب الحجّاج في العراق حين دخل مسجد الكوفة مُتجهّم الوجه معتمّا بعمامة قد غطّى بها أكثر وجهه متقلّدا سيفه متنكّبا قوسا يؤمُّ المنبر و يخطب بالناس، وكأني حين أشاهد القاسم أرى حجّاجا نزع عن نفسه الجبّة و العمامة واستبدلهما بطقم بريطانيّ أنيق وربطة عنق زاهية الألوان وأرخى سيفه المثقّف الحدّين ليستلّ عوضا عنه قلما ليس أقلّ ثقافة بل أعمق أثرا.
 

يجلس "فيصل القاسم"على عرش الحجّاج مستعيرا منه بطشه وسطوته اللّامحدودة مطلقا لسانه الطويل وكأنه سوط العقاب لينهال به على الضّيف الكذّاب حتى يمزق ما عليه من أثواب النّفاق والدّجل ويدمي كبريائه فيمسي عاريا مفضوحا.

وخلّى عنه قوسه ليستبدلها بكلمات أقتل من النِّبال نازلا عن منبر الخطيب الفصيح جالسا على طاولته المميزة ذات الشكل الأنيق، لكن القاسم وبكل ما تَرك من مظهر الحجاج وأسلحته لم ينسى أن يستبقي على بلاغته وفطنته ودهائه الأبتر، وبلمسة سريعة يعدل نظارته وكأنه يشحذها رافعا كفّيه ضاربا أطراف بنانيْه ببعضهم ليستهلّ نقاشه اللاذع مطلقا أسئلته الحادّة كما أسنّة الرماح على أحد ضيفيه فإن هي أصابت نقاط ضعْفه قتلت حضوره وأطفأت زهوة حديثه، وإن هو تفاداها بما أجاب لا تكاد تمر دون أن تجرح أو تخدش شيئا من خُيلائه.
 

فالقضيّة الأسبوعيّة المطروحة دائما ما تثير الجدل والحوارات الشّائكة المعقّدة تفرض على الجوّ العام للبرنامج أن يكون مشحونا ومتوترا لأبعد الحدود وكأنه ساحة نزال، لكن القاسم بجميع حواراته لا يقبل من ضيْفيه إلا بالإجابات الواقعيّة الصادقة وهو متربّص دائما بالضبابيّة منها تلك التي تشوّه الحقائق وتزوّر الوقائع فما إن يسمع من أحدهم ما لا يرضى عنه من كذب أو نفاق أو تملّقٍ وتزلّفٍ لأحد الطغاة حتى يتراجع عن حياده قليلا ويتسلح بسلطة الصحافة التي هي أرفع سلطة لديه.

ويجلس على عرش الحجّاج مستعيرا منه بطشه وسطوته اللّامحدودة مطلقا لسانه الطويل وكأنه سوط العقاب لينهال به على الضّيف الكذّاب حتى يمزق ما عليه من أثواب النّفاق والدّجل ويدمي كبريائه فيمسي عاريا مفضوحا أمام حقائق السوط الموجع، حتى إذا أذعن وتراجع عن ما هو فيه من ضلال ترى القاسم وبسرعة وحرفيّة شديدتين قد استعاد ما لديه من أتيكيت الأستاذ البريطاني في المجاملة والعفو والتّسامح والتي ورثها من أيام دراسته مترفّعا عن كلّ ما سبق راسما على وجهه ابتسامة صغيرة لا تخلو من الكيْد ليفتح بها صفحة جديدة مع الضيف مستدركا ما كان قد توقف من النّقاش.

ولكنّه وبالتفاتة سريعة لا يلبث أن يستحضر عيون الحجّاج ليرمق ضيفه بنظرات الوعيد والتربص وكأنه يقول له: "إنّ الحزم والعزم قد سلباني سوطي وأبدلاني به لسانا كالسيف مقبضه في يدي ونيجاته في عنقك وإني والله لأحمل الشرّ بحمله وأجزيه بمثله وإنّي لا أعد إلّا أوفيت ولا أهمّ إلا أمضيت إني أنذر ثم لا أنظر وأحذّر ثم لا أُعذر وأتوعد ثم لا أعفُ " فيفهم الضيف أن لا مناص من صدق الإجابة ولابدّ من تحقيق الحقائق وربما تنهّد للحظة في أعماقه وتمنّى لو أنّ طائرته تحطّمت قبل أن تحطّ في مطار الدّوحة فلم يطأ أرض هذا الأستديو.
 

ولا يكتفي حجاج الإعلام العربي المعاصر بإراقة الآراء في بهو برنامجه المكتظّ بجثث الكلمات ودقِّ رقاب الأفكار المشوبة بالظّلم والطّغيان، فلديه صفحة على موقع التّواصل الشهير فيسبوك يأتمر بأمره فيها اثنى عشر مليونا من زبانيته، وما إن يرى طائفيا بغيضا أو مروجا لأفكار الظلم والطغيان على الموقع إلّا وعمد على مشاركة تدويناته مع تعليق مبطن يشير فيه إلى بدء الحرب الإلكترونية عليه فيكون بذلك قد حاصره في قلعته وتتكفل الزّبانية بالباقي، وما هي إلا ساعات أو ربما دقائق إلا ويتم إغلاق حساب المتوفى إلكترونيا لتبقى صفحته أرملة من بعده وثقافته ثكلى ومتابعيه يتاما.
 

للقاسم مقالات أسبوعيّة متواصلة يدأب فيها على تحليل الأحداث السياسية والتطرّق لمقالات أشهر الصحف العالمية، فضلا عن أنه يطرح الجديد من الأفكار بأسلوب ساخر أحيانا ومؤلم أحيانا أخرى.

ولا يكتفي حجّاجنا العصري بذلك فقط فبعد دقائق قليلة يطلق تدوينة ضاحكة يشمت بها بالمقتول فيسبوكيّاً ويشيّعه بين أقرانه مضرَّجا بحروفه وكأنه يقول لهم:
"إنّي لأرى أبصارا طامحة وأعناقا متطاولة وأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإنّي لصاحبها وإني والله لأهْبرنّكم بقلمي هبْرا يَدعُ متابعيكم أياما وقرّائكم يتاما، إن للشّيطان طيفا وإن للإعلام سيفا فمن سقمت سريرته صحّت عقوبته ولا أعاقبكم إلّا بالقلم، فيا أيّها الظّلام ألا يتوقف الرّجل منكم وينظر في أمره وفي حقن دماء مستقبله ويبصر موضع نفسه ويرتدع، فقد أقسمت أن أوُقع بكم وقعة تكون نكالا لما قبلها وأدبا لما بعدها".
 

فمن الذي كسر حواجز الخوف لدى جماهيره وارتعدت فرائص جبابرة الظلم من صوت صرير قلمه، ومن الذي أخرج طغاتا كانوا مختبئين في جحورهم باستفزازهم وتحداهم بإعلانهم موتى، ومن الذي أرّق ليل مخابرات دول واستنفرهم في أقبيتهم بخطبه الرنانة غير حجّاج القرن الواحد والعشرين سفاح اللغة القاتلة!
 

وللقاسم مقالات أسبوعيّة متواصلة يدأب فيها على تحليل الأحداث السياسية والتطرّق لمقالات أشهر الصحف العالمية، فضلا عن أنه يطرح الجديد من الأفكار بأسلوب ساخر أحيانا ومؤلم أحيانا أخرى، يدحض من خلالها كل زور أو كذب يعتري خطابات ساسة العالم، وكيف لا يفعل!؟ فحجّاجنا فارس الصّحافة العالميّة الذي لا يُشقّ له غبار يسابق الأخبار على صهوات الصحف العربيّة تارة والغربيّة تارة أخرى ممتطيا لغته الإنكليزية الأصيلة التي درَسها ودرّسها في إنكلترا ويهرع إلى تعميق التصريحات وتفنيد المكذوب منها تلك التي تستخف بعقول الشعوب، وكيف لا يفعل!؟ فالتزوير والكذب ممنوعان في أرجاء ولاية القاسم وقد فاز من ولّاه وما خاب من والاه، فبأمثاله لا تنطفئ فينا الرغبة بمتابعة الإعلام ولا ينفذ مخزون الأمل بداخلنا، في زمن يُسجّل فيه للعرب أدنى مستويات انحطاط الإعلام.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.