العربي بين تيه الهوية وجنون الحمية

blogs - Arab world
يعتبر هرمون الانتماء محددا أساسيا لحياة الأفراد داخل المجتمعات العربية، هذا الهرمون يستهلك بإسهاب لطرح كل الشكوك المتعلقة بحياة العربي عند ممارسته لسلوكياته السياسية العقائدية أو الاجتماعية، فهو عادة مقدس للزعيم وجندي داخل الجماعة، يحن بإطناب إلى مدينة فاضلة، و يتعارض وجوديا مع فلسفة الشك، سعيه للتحرر نابع من القيود التي يفرضها على نفسه، لا يلبث أن يرتمي في سادية السلطوية الفكرية التي ينطلق منها لتبرير ماهيته وتحركه داخل بيئته.
 
في بورصة الإنسان الكونية، لا زال العربي يرزح تحت براثن غرائزه، وغير قادر على دحض اختلافاته مع الآخر، في هذا الشخص أجد نفسي أيضا، حتى وإن أردت تعليق الإيتيكيت الكافكية، فكما خلص لذلك ابن خلدون في مقدمته التي لم يشأ حال العربي المتقلب الهوى اختتامها "لا بد من وصاية يلتحفها خوفا من أنين المجهول داخله".

فلا يمكن لهذا الوطن أن يحيى دون تاجر بدمشق وشاعر ببيروت وإمام بالشهباء وناسك بالحجاز، تترامى أطرافه بكل أطيافه، فلا الانتماء يلغي أو يحتفظ بطرف.

ينتمي العربي إلى بيئة عصية على التحليل، تتداخل فيها حمية القبلية، غلبة الذكورية، الحنين إلى الماضي، الشعور بالذنب، جمود التظلم، جنون العظمة، وسكيزوفرينيا المثقف والمؤمن بالمسلمات، في هذه العاصفة من القيود الاجتماعية والنفسية، لا يسع الفرد العربي إلا أن ينتصر لنفسه في كل قضايا العالم ويهرب من وجه سقوطه.

لا تكفي كل التغيرات التكتونية للحضارات لجعله يذوب داخل الاختلاف، بل يصنع لنفسه فوالق تترسب فيها كل تمظهرات نموذجه الفريد، مقاوم وهنا يرتقي لسلم الشموخ الإنساني، فارتباطه بالأرض أعمق من أن يختزل في نزواته الفكرية أو الطبيعية، فلا يمكن بأي حال من الأحوال إحاطته بالإطارات القدحية، بل يحسب لفتية لغة الضاد تحريك زمن جيولوجي جديد للزج بكراسيهم الوتنية أرضا، ودفن بعض موروثاتهم حول النمطية وبداية الانخراط في قالب الاختلاف الكوني، بدأ ربيعا وسيمضي رغم كل الإرهاصات كذلك.

فحظي من العروبة هذا التشويق الذي لن تصادفه في أعرق الروايات، وحظي من العروبة شيخ يطالع نشرة الأخبار بازدراء وحظي من العروبة خريف يهوي بي قاعا ويسكنني حلما. هذا الحلم ينهل من كل إرادات التغيير بتجلياتها الإيجابية، فالعربي ماض نحو تنقيط شخصه بعيدا عن أروقة التحكم، ويسعى رغم كل ما رميته به أن يبارح تصور المجتمعات الأخرى وذاك بتطوير معرفة شاملة لا انتقائية و اقتطاعه بمنهاجه الممانع وعيا مشتركا بالنموذج العربي الذي يحق لنا أن ننخرط فيه باختلافاتنا تتحرك فيه الانتماءات تتلاقح لا تتقاطع كي تشكل وطنا رغم كل الحدود مشتركا.

روافده الأساسية لا التيارات الفكرية، بل الإنسان كقيمة جوهرية، وتدرج نحو فهم شامل لإشكالات القومية المعاصرة، في هذا التحول تلعب النخب دورا هاما في تبسيط الخطاب، لا لفهم مبسط يفقد جوهره بل بتحويره داخل قوالب أدبية، فالعربي يسمع شعرا ويترنم لحنا ويحن لما قبل ميلاده، إذا، لا بد من تمرير الرسائل حول الاختلاف ونبذ النمطية داخل هذه الروزنامة، لا يقصى في هذا مكون ويحاك تصور جديد لمجتمع واع بقضاياه يحتضن واعظه ومقاومه وشاعره وخطيبه و سائسه.

في بورصة الإنسان الكونية، لا زال العربي يرزح تحت براثن غرائزه، وغير قادر على دحض اختلافاته مع الآخر، في هذا الشخص أجد نفسي أيضا، حتى وإن أردت تعليق الإيتيكيت.

هذا التصالح سيبني بالضرورة أكبر صرح لهذا الوطن المترامي، ويقوي فرص المكوث أكثر في هذا الكون لما تبقى من العرب فيه، لا بد لموسيقى الدمار أن تتوقف ولا بد لهذا الكم من القتلى أن يحيى، لا سبيل إلا التنسك بالنضال والعمل عقيدةً، فلا يمكن لهذا الوطن أن يحيى دون تاجر بدمشق وشاعر ببيروت وإمام بالشهباء وناسك بالحجاز، تترامى أطرافه بكل أطيافه، فلا الانتماء يلغي أو يحتفظ بطرف، بل وحده التاريخ سيشهد أن المتاجرة بالعقول الضعيفة سفكت دماء تجري بصبيب الرافدين، قد أغدو بموضوعي بما لا صالح له، وذاك غيض من فيض عروبتي.

ماذا أعددنا لدخول بورصة الإنسان الكونية، ماهو محدد رأسمالنا البشري، أو يعقل أن نكون أمة تحتفي بسقوطها، فإن كان ذاك مؤشرنا سيهوي كما هوت أوثانكم، لن يرتقي إلا إذا التأم الفكر بالفكر، ورحب الأمر بنقيضه، وكانت الأفراد حاملة لوعي جماعي يحمي صرحا مجتمعيا يسهل طمره، وانخراط العربي في دينامية التميز والفكر الحر. فمن استمسك بهذا الوطن فليذب في اختلافاته، فإن استعصى الأمر فلنا في الطيب صالح معينا، فموسم الهجرة نحو الشمال لم ينته بعد… دمتم على وطن…