شعار قسم مدونات

الرافعي.. شيخ العربية الأكبر

blogs - الرافعي
قبل أكثر من ثمانين سنة رحل أديب العربية والإسلام مصطفى صادق الرافعي في واحدة من تلك القرى الفقيرة التي تتناثر في القطر المصري، ولد "مصطفى صادق الرافعي" كشأن أترابه يومئذ لا يكاد يميزه شيء إلا أن أصله يعود إلى أسرة "شامية" نزحت إلى مصر، وأبوه عالم ديني..

نشأ الرافعي من أوليته أديبا يريد أن يشعر ويكتب ويتأدب، وسلخ شبابه يعمل حتى أمكنته اللغة من قيادها وألقت إليه بأسرارها، هكذا دانت للرافعي تلك العربية الخالدة الباقية، وصار علما من أعلامها هو في معرفتها كالأولين سليقة ومنزعا ودراية، وخشعت من حوله أصوات "العجمة" وأطرقت تسمع وتزداد، ثم تدهش أن يكون في دنيا الناس بعد هذه القرون الممتدة من تطاوعه اللغة كأساطينها وشعرائها الذين عركوها في جزيرة العرب وصحاريهم.

ورث عن أبيه مكتبة حافلة جامعة للنوادر، فلم يكن غريبا أن يستوعب ما فيها درسا وحفظا، وهو الذي لما يتم مرحلة الدراسة الابتدائية، فعوض ذلك بعصامية نادرة، ثم عاجله الصمم، فصنع له عزلة جعلته يفرغ من دنيا الناس، حتى إذا أناف على العشرين أخرج ديوان شعره الأول، وصدره بمقدمة هي "الشعر بعينه" على رأي اليازجي الذي توهمها منقولة من كتب التراث العريقة لنفاستها وبراعتها، وهو يومئذ الحكم بين الشعراء الخبير بالشعر خبرة تامة مستوية، وأثنى عليه الإمام محمد عبده بكلمة عالية لا يكاد ينالها طامع حين قال له: "أسأل الله أن يقيمك في الأواخر مقام حسان في الأوائل" .. وكل ذلك والرافعي فوق العشرين ببضع سنوات فقط..

نشأ الرافعي من أوليته أديبا يريد أن يشعر ويكتب ويتأدب، وسلخ شبابه يعمل حتى أمكنته اللغة من قيادها وألقت إليه بأسرارها، هكذا دانت للرافعي تلك العربية الخالدة الباقية.

فلما أتم عقده الثالث أخرج للدنيا "صنعة" هي آيته الباهرة، وعرف الناس رجلا غير شاعر الحسن والغزل، ذلك هو كتابه "تاريخ آداب العرب" الذي أكبره أمير البيان إكبارا شديدا وقال فيه: "لو كان هذا الكتاب خطا محجوبا في بيت حرام إخراجه للناس .. لاستحق أن يحج إليه"..

فلما طلع قرن "الشبهات" التي ركبها خريج "السوربون" وكان قد تلقفها من "أشياخه" المستشرقين، وماجت في الناس فتنة "الشعر الجاهلي"، وهي يومئذ كرة تتدحرج تحت عباءة "القديم والجديد" ، غضب الرافعي غضبة "مضرية"، وانبرى منافحا شديد المنافحة، غيورا شديد الغيرة، وخاض معركته "تحت راية القرآن" فكان حجة الزمن كأنما خبأته الأيام وهيأته لهذه المعركة التي لا تهدأ حتى تثور في أثواب جديدة، وكانت الحيلة هذه المرة هي "الطعن" في المعلقات توسلا إلى رمي "الذكر الحكيم" بأمشاج ممزقة من الشبهات.

أما مادة الرافعي التي أعيت من بعده، ورفعته إلى "عليين" في سماء الأدب، وحلقت به عاليا في العطاء، وأخرجت منه نمطا فريدا، وأمكنته من إمارة تطاولت إليها الأعناق، فهي ثروته التي أنشأها في بحر لجي هو بحر "العواطف"، وأعاد بها سبائكه الشعرية التي نشأ عليها أول العهد، إلا أنه كتبها هذه المرة "نثرا" شعريا خالصا، وعرف الناس "عاشقا" يبين عن قلبه إبانة صادقة، ولكنه لا يسف في "حبه" ولا يتهالك كشأن أصحاب المراهقة.

فهو "يرى كأنه ينفخ في كل كلمة معنى من الحياة، لأنه لا يكتب كلاما بل يخط صورة قلبه" وتحدث الرافعي "إلى القمر" الذي عاين جماله وجلاله في "لبنان"، ثم نثر "رسائل الأحزان" التي ضمنها "فلسفته في الجمال" واعتبر "الجميل الذي لا يجدد حواسك وعواطفك، ويعيدها غضة طرية كما فطرت من قبل، لا يسمى جميلا".

ثم أتبعها بـ"السحاب الأحمر" الذي أثارته صاحبته الأديبة "فلانة" فقال كلمته التي تلخص معركة العاشق المكسور: "يجب على المدارس حين تعلم الفتاة كيف تتكلم أن تعلمها أيضا كيف تسكت عن بعض كلامها"، ثم ختم "ديوانه" الذي جمع خلاصة آرائه فيما سماه بـ"فلسفة الجمال والحب" بكتاب "أوراد الورد" الذي ضم خواطره النفسية نحو صاحبته الأديبة، وقد أعجب بكتابه فقال بزهو وفخر إنه: "لا نظير له في تاريخ العربية كله".

غضب الرافعي غضبة "مضرية"، وانبرى منافحا شديد المنافحة، غيورا شديد الغيرة، وخاض معركته "تحت راية القرآن "فكان حجة الزمن، كأنما خبأته الأيام وهيأته لهذه المعركة.

وهذه "الرقة" التي غلبت الرافعي جعلته يعطف على المحزونين، ويتألم لمشاهد الفقر التي غشيتهم في أزمنة الحرب خاصة، فألف كتابه "المساكين" مواساة ورأفة، واستظل فيه بظلال الإنسانية التي رآها تقهر ..

أما درة الرافعي التي بسطت سلطانه عند المتأدبين، وجوهرته التي عز الزمان أن يجود بمثلها، وتحفته التي تبارى الكتاب في تقريظها، فهو "وحي" قلمه الذي قال فيه صفيه وصاحب سره العريان هو: " آخر كتاب أنشأه الرافعي، ففيه النفحة الأخيرة من أنفاسه، والنبضة الأخيرة من قلبه، والومضة الأخيرة من وجدانه" " ولكنه أول ما ينبغي أن يقرأ له"..

أما أن الرافعي شاعر وأديب وعالم له اليد الطولى في التحرير والتحقيق، فذلك مما شهد له به أعيان العربية وأعلامها، وربما شاركه غيره في بعض هذه الخصال أو فاقه، وأما أنه عاشق محب فنعم ونعما، وأما أنه يسترذل في الحب ويتماجن فحاشاه، وأما أنه محافظ بصير بمواقع الألفاظ والمعاني، خادم للجملة القرآنية في سبكها وجلالها واعجازها، فذلك ميدانه الذي لا ينازعه أحد، ولا يكاد يطمع فيه.

أما حسنة الرافعي التي بز بها الأقران، وارتفع بها سامقا لا يدانيه حالم، فتلك هي شخصيته "الشرقية" التي ملئت فخرا وكبرياء، وقد أعرب عن ذلك فقال: "وأنا رجل ليس في أكثر مما في، كالنجم يستحيل أن يكون فيه مستنقع؛ فما أعلم في طبيعتي موضعا للنفاق تتحول فيه البصلة إلى تفاحة، ولا مكانًا من الخوف تنقلب فيه التفاحة إلى بصلة" وتلك هي المكرمة التي "أخملته"، وجعلت غيره منن خلط البصل والتفاح تطير سمعته في الآفاق.

وهي أيضا المنقبة التي سددت رميته في وجوه "العابثين" من المجددين الذين لو استطاعوا لجددوا الشمس والقمر، وأحال الزمن تلك "الفِرى" أضغاث أحلام تصرمت وتمزقت واحدة تلو أخرى، وبقي الرافعي شامخا لا تزيده الأيام إلا عزا، ولا يزداد أدبه إلا حلاوة وطلاوة، وتحول شرابا سائغا في حلوق العطاش إلى لذة الأدب مرفوقا مزينا بلحية الأدب .. رحمة الله على الرافعي وقدس الله ثراه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.