هل قدرنا الخلاف النزاع والشقاق؟

في البلاد التي توصف بالكفر عندنا، يختلفون، لكنهم تعلموا أن يواصلوا المسير رغم الخلاف، لأنه الحل الوحيد كي يستمروا، فيستحيل أن يتوافقوا في كل شيء، فالاختلاف أصل، بل يستحيل أن يوجد شخصان يتوافقان حتى بنسبة ضئيلة، وفي نفس الوقت لا يمكن أن تتوقف الدنيا بسبب وجود الخلاف.

إن طبيعة البشر النفسية والبيولوجية وخلفياتهم الاجتماعية وأنماطهم المعيشية وعاداتهم وتقاليدهم وأديانهم وانتماءاتهم السياسية وأساليب تفكيرهم تفرض وجود فروق في القناعات والآراء، وحتى بين عناصر القناعة الواحدة توجد اختلافات في نسبة التشبع بها وبالوسائل الواجب إتباعها لتطبيقها.

ويثبت النقل والتاريخ وجود اختلافات في قراءة النصوص وأوامر الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي تطبيقها بين الصحابة أنفسهم، ويتوفر على ذلك كم من الأدلة يقصر المجال لبسط حتى جزء منها، بل إن سبب ظهور المذاهب الفقهية والتفسيرية راجع بالأساس لوجود اختلافات بين الأولين الذين نقلوا جميعا عن الرسول لكن بفهوم ورؤى متعددة.

ونموذج المدينة الأول قام على التعدد، والتعايش رغم الاختلاف، وجاءت الصحيفة لتنظم هذا التعايش وتضمن سير الحياة في المجتمع الجديد، وتحفظ لكل حقوقه، ونقف في التراث على كثير من الخصوصيات الاجتماعية والثقافية، بين العناصر المشكلة لذلك المجتمع، بل حتى بين الأنصار والمهاجرين، ولم يفسد هذا للود قضية.

وفي الغرب اليوم تجد جل المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية تحوي اليساري والرأسمالي والمتدين والملحد واليهودي والبوذي والهندوسي، وتمشي وتنجح، ويحتفظ كل برؤيته وتوجهه ومبادئه، وتتوحد فرنسا الكاثوليكية مع ألمانيا البروتستانتية مع شرق أوروبا الأرثوذوكسي في اتحاد واحد.
ويقوم المجتمع الأمريكي على تعدد اثني وثقافي وديني رهيب، وقلّ أن توجد مؤسسة في هذه البلاد لا يجتمع فيها هذا التنوع، ويمتد ذلك حتى للمؤسسات السيادية الحساسة الكبرى مثل الرئاسة ووزارة الدفاع والاستخبارات المركزية والجيش، ورغم ذلك فالأداء يتم بشكل جيد، وتنمحي مختلف الفروق لصالح المؤسسة والمشروع.

الفرقة التي اتفقت على وضع "الشماغ" على الرأس، انقسمت لقسمين بسبب خلافها حول عدد ركعات صلاة التراويح، وفي الفرقة التي اتفقت على أن عدد الركعات ثمانية، انقسمت لأربع فرق بسبب الاختلاف حول مكان القبض.

أما من الناحية السياسية فالمؤسسات الغربية في مجملها قائمة على التوافق بين مختلف التوجهات السياسية، التي تتعاكس في الرؤى وتتضاد في المشاريع، لكنها لا تلبث تقف صفا واحدا بعد نهاية المنافسة السياسية وظهور النتائج، وتتكامل في العمل وتحتفظ كل جهة بخصوصيتها وقناعاتها.
ولم يعد اليوم مطروحا بتاتا في الغرب أن يقوم طرف بإقصاء طرف، أو القضاء عليه لمجرد الاختلاف في الرأي، بل بات في حكم المعلوم والمسلم به أن تعدد الآراء هو عامل تنمية وازدهار، بما توفره المنافسة والتدافع الفكري والسياسي من تنقيح وصقل وتطور مستمر من أجل التفوق وإثبات الجدارة.

بينما في العالم المتخلف الذي ينبني على الرأي الواحد ويشيطن التعدد، ففي الغالب من أمثلته ينتهي ذلك الرأي والمشروع المتفرد بالإفلاس ويقضي على مقدرات البلاد في كل النواحي، لأنه يفتقد مع الوقت لنموذج آخر يقيس في ضوءه حجم قوته ونجاحه، ويحتفظ بنفس شكل البداية، لأنه لا يوجد ما يدفعه للتطور والانفتاح أو التجدد، طالما هو يمسك بمقاليد كل شيء ومرتاح في الحيز الذي يشغله.

وفي بلاد المسلمين التي هي اليوم جزء اليوم من العالم المتخلف، وحيث الناس تعبد إلها واحدا وتتبع نبيا واحدا وتتعبد بكتاب واحد، يقر تراثنا الديني الاختلاف من حيث المبدأ، بقوله سبحانه وتعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)، وكما جاء عن بعض التابعين، "اختلاف الصحابة رحمة"، وكما في حديث عبد الله بن مسعود الذي كرّه فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام النزاع حول قراءة القرآن، وقال: "كلاكما محسن ولا تختلفا اختلافكم هذا، فما أذهب من كان قبلكم إلا هذا الخلاف"، وبتصريح القرآن الساطع: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) وهي أقصى درجات قبول الآخر، لكن يرفض الإسلام ما ينتج عن الاختلاف من خلاف ونزاع ويحظ على الوحدة الإيجابية المنتجة: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)، و(وإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)، ويحذر من النزاع: (وَلَا تَنَازَعُوا)

ورغم هذا فالخلاف والتنازع يكاد يكون ضرورة سياسية واجتماعية ولا حياة من دونه، وتوجد خلافات أكثر من عدد المسلمين أنفسهم، فلقد أنتجت خلافات السياسة والإمارة بداية فرقا وفرقا، ثم أنتج التاريخ منها فرقا وفرقا، وجاء الاختلاف على تفسير كلمة أو فهم نص ليدفع بفرق جديدة، وولد التعصب منها فرقا أخرى، ثم حان الدور على الجغرافيا لتنبت أعراقا ودولا وأمما، ثم أضحى لكل من حفظ حديثا فرقة باسمه، ثم اختلف أتباع صاحب الحديث ذاك بسبب كيفية وضع "الشماغ" على الرأس أم على الكتفين أم على شكل عمامة!

وإن رسوخ، في ذهن كل فرقة، تصور أنّ كل المخالفين زنادقة ومبتدعة وضالين، وهم أخطر من اليهود والنصارى والمجوس،  جعل بابا خطيرا يفتح ولا يجد من يغلقه، دفعت بسببه الأمة حضارتها ووجودها وتدفع اليوم ما بقي من ذلك

وفي الفرقة التي اتفقت على وضع "الشماغ" على الرأس، انقسمت لقسمين بسبب خلافها حول عدد ركعات صلاة التراويح، وفي الفرقة التي اتفقت على أن عدد الركعات ثمانية، انقسمت لأربع فرق بسبب الاختلاف حول مكان القبض، وفي الفرقة التي اتفقت على أن مكانه أعلى الصدر، انقسمت لثلاث فرق حول جواز لبس الذهب المحلق للنساء، وفي الفرقة التي اتفقت على تحريمه، انقسمت بعد فترة حول هل يجوز قول "نعيما" لمن يستحم، والتي حرمت ذلك عادت لتنقسم لفرقتين بسبب جواز النظر للمرآة ليلا أما لا؟ والطائفة التي أرادت إعلان الجهاد لتحكيم الشريعة، دخلت في متوالية هندسية من الانقسامات حول لون الراية وما يكتب فيها، وحول هل يجوز بيع السبايا أم الزواج منهن فقط، وهل يجوز ذبح الأسرى أم حرقهم!

وآخر فرقة من هؤلاء والتي اتفقت في العقيدة والفقه والفهم والتصور وعلى شكل اللباس ولونه، وحول عدد الخطوات التي يخطوها كل فرد منها يوميا، وعدد السعرات الحرارية التي يأكلها، منقسمة اليوم حول جنس النملة التي كلمت سيدنا سليمان، أذكر هي أم أنثى؟ إن السعي الدائم للقضاء على الاختلاف وتجريمه، وإشاعة مفهوم الفرقة الوحيدة التي تجسد الإسلام وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وفهم الصحابة، وتمثل إرادة الله وظله في الأرض، هو ذاته من ولّد مزيدا من الفرق والشقاق، وحرم المسلمين من التوحد.

وإن رسوخ، في ذهن كل فرقة، تصور أنّ كل المخالفين زنادقة ومبتدعة وضالين، وهم أخطر من اليهود والنصارى والمجوس، وبقاؤهم ليس تهديدا للفرقة التي تسير على الحق فحسب، بل هو تهديد للإسلام، والقضاء عليهم مقدم على أي شيء آخر، جعل بابا خطيرا يفتح ولا يجد من يغلقه، دفعت بسببه الأمة حضارتها ووجودها وتدفع اليوم ما بقي من ذلك.

وهكذا دواليك تمضي الدنيا كلها للتوحد وتتعايش وتنتج وتنمو وتزدهر، إلا نحن أمة الوحدة والتوحيد، لا نحن توحدنا ولا نحن طبقنا إسلاما، ولا نحن قامت لنا راية، ولا نحن عشنا عيشة هنية، ولا نحن حتى متنا ميتة كريمة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أثار مقطع فيديو نشر في فيسبوك يظهر فيه القيادي العسكري بعملية الكرامة النقيب محمود الورفلي داخل غرفة وهو يعدم شخصا يتبع لتنظيم الدولة الإسلامية بمدينة بنغازي ردود فعل غاضبة ومستنكرة.

تتنافس الحكومة العراقية مع تنظيم الدولة الإسلامية في بث الأخبار في إطار الحرب الإعلامية، حيث أكدت الحكومة مقتل مئة عنصر بالتنظيم بالأنبار، بينما بث التنظيم تسجيلا لهجماته بمحافظة صلاح الدين.

الأكثر قراءة