مهرجان الزنابق.. احترام الدستور أم تلاعب عليه؟

لعــل الأصدقاء الذين يسكنون في العاصمة الكندية أوتــــوا، أو زاروها، يتذكــرون "مهرجان الزنابــــق" (Tulip Festival) السنـوي والذي تعرض فيه آلاف الزنابق في مهرجان بهيــج يحضره ما يقارب من نصف مليون زائر من جميع أنحاء العالــم في شهر مايو من كل عام. 

وبرغم السنــين العديــدة التي عشتـــها في أوتــوا إلا أنني لم أعرف قصـة هـذا المهرجــان إلا بالأمس حيث أخبرني ابني عنهـا فدفعني الفضول لاستطلاعهــا؛ فللمهرجــان قصة ممتعـة من جزئــين:

الجزء الأول: الزنابـق والأقحوان
القصة تعود للحرب العالمية الثانية وتبدأ في هولندا يوم 10 مايو 1940 حيث دخلت قوات المانيا النازية هولنــدا، فهربت العائلة المالكـة واستقرت الملكة الأم في بريطانيا حيث كونت حكومة المنفى بينما أرسلت ابنتـها الأميرة جوليانا مع ابنتيهــا (الحفيدتين) إلى كنــدا. وفي 19 يناير 1943، أنجبت الأميرة جوليانا فتاة ثالثة في أوتـــوا الكنديـــة وسمتها "مارغريت، Margriet" – وتنطــق مارخيت باللغة الهـولندية – نسبة إلى نوع من الأقاحي التي كانت رمــزاً وطنيـاً يرتديها أعضاء المقاومة الهولندية آنذاك في حربهــم ضد المانيا النازيـــة. 

وفي عام 1945، وبعد هزيمة النازيين وتحرير هولندا، عادت الأميرة جوليانا إلى بلدها، وكتعبير عن الشكر والعرفــان لكندا، لاستضافتها للأميـرة، وللدور الذي قامت به القوات الكنـدية في تحرير هولنــدا، أرسلت حكومة وشعب هولندا أكثـر من 100 ألف زنبقة إلى كندا. 

ولادة الأميرة مارغريت في كندا كان سيشكل معضلة للعائلة الهولندية المالكة حيث أن الاميرة المولودة لن تحصل على الجنسية الهولندية بولادتها على الاراضي الكندية والتي تمنح الجنسية الكندية تلقائيًا لمن يولد على ترابهــا

وفي مايـــو 1953، وبفكــرة من مصــور فوتوغرافي يدعى "مالاك كاراش"، وبدعم من غرفة التجارة الكندية، أقـيــم أول مهرجــان للزنابق في أوتـــوا لتخـليد هـذه الذكرى وعرضت فيه أكثر من 750 ألف زنبقة، وكان احتفالًا باهــرًا، ومن يومهــا استمر المهرجـان سنويًا؛ حيث ترسل هــولندا كل عام 20 ألف زنبقة لهـذا الغرض، وقد حضرت هـذا الاحتفال الملكة جوليانا عام 1967 والأميرة مارغريت عام 2010. 

الجـزء الثاني: هــواجس الدستــور وجدلية المكــان..!
ولادة الأميرة مارغريت في كندا كان سيشكل معضلة للعائلة الهولندية المالكة حيث أن الاميرة المولودة لن تحصل على الجنسية الهولندية بولادتها على الاراضي الكندية والتي تمنح الجنسية الكندية تلقائيًا لمن يولد على ترابهــا، وبالتالي فقــد تفقد الأميرة المولـــودة حقها الدستوري في وراثــة العرش الهولندي، ولـــذا فكان لابــد من إيجاد حـــل! 

ولتلافي هـذه المعضلة، وبالتنسيق بين الدولتين، قامت كنــدا بإعلان غـرفــة الولادة في المستشفى المدني بأوتـوا (Ottawa Civic Hospital) الذي وضعت فيه الأميرة جوليانا طفلتها "مارغريت" منطقة "دوليــة" لا تتبع لكنــدا بشكـــل مؤقــت، وعليه فإن الاميرة المولودة "مارغريت"، لن تكتسب الجنسية الكندية تلقائياً، لتأخذ تلقـائيًا جنسية والدتها الهولندية عند الولادة. كما تم وضع تراب من هولنــدا تحت سريـر الولادة، وسمحت كندا برفع علــم هولندا على أحد ابــراج أوتــــوا يوم ولادة الأميـــرة، وبذلك اكتسبت الأميرة مارغريت الجنسية الهـولندية ولم تفقـد حقها في العرش. 

بعد سماعي للقصة لم تكن الأقاحي والزنابق هــي أول ما خــطر ببـالي، بل أولئــك الحكام العــرب الذين تجرأوا على دساتير بلادهــم فعــدلوها لكي يمــرروا عروشهـــم إلى أبنائهم، فكان تساؤلــي: ألم يكـــن من الأسهـل تعديل الدستــور الهولندي بجرة قلــم كما فعل هؤلاء للحفاظ على حق الأميـرة في العــرش؟ 

ولـــذا، فهــل ما قامت به الدولتــان (كنــدا وهـولنــدا) هــو تلاعــب على الدستــــور أم احتـــرام لــــه؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجـــع:
http://ottawa.ca/en/residents/arts-culture-and-community/museums-and-heritage/witness-change-visions-andrews-newton-27



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة