لا تقتلوا الخطيب.. وألقوه في غيابة الجب

لا يكاد يمر يوم إلا وتطالعنا أخبار القهر الممنهج الذي يتعرض له شباب مصر بمختلف أعمارهم وتوجهاتهم داخل معتقلاتها التي ينافس عددها عدد مصانعها، في واحدة من أكبر مفارقات العسكر. قدر شباب هذا الزمان مع فراعنة العصر ما بين تعذيب يفضي للموت أو إهمال طبي متعمد يؤدي بالضرورة إلى الموت وفي أحسن الأحوال إلى العجز مدى الحياة!
آخر تلك الحالات كان ضحيتها الشاب كريم مدحت الطالب في الفرقة الأولى بكلية آداب جامعة الإسكندرية، بعد دخوله في غيبوبة منذ ما يزيد عن أسبوع؛ نتيجة الإهمال الطبي المتعمد بحقه، من قبل إدارة سجن برج العرب، رغم تدهور حالته الصحية بشكل ملحوظ، وظل محتجزاً منذ أكثر من عامين، ولما كان يعرض على مستشفى السجن، كانت تقرر أنها حالة غير هامة، حتى تدهورت حالته بشدة، فقاموا بتحويله إلى مستشفى خارجي والتي اكتشفت وجود ورم في المخ، وهكذا لحق كريم مدحت بمهند إيهاب وفريد إسماعيل وقافلة طويلة لشهداء الإهمال الطبي التي لا ندري متى تتوقف؟

ويترقب كثيرون لسماع خبر عن شاب يمر بنفس التجربة وبنفس القسوة والتعنت من قبل السجانين، لكن الأمل يراودنا هذه المرة أن تنجح حملة (أخرجوا الخطيب يتعالج) في الانتصار على تجار الموت، وتكسر إرادة الحياة والحرية قيد السجن وعلقم المرض.

صاحب القصة القديمة الجديدة هو الطالب المعتقل أحمد عبد الوهاب الخطيب -صاحب الـ 22 عاماً- الذي يعد نموذجاً مصغراً لحال آلاف الشباب القابع في غياهب السجون، حيث يدرس بالفرقة الرابعة بكلية التكنولوجيا الحيوية بجامعة 6 أكتوبر، وعقب عودته من تركيا في 28 أكتوبر 2014، بعد المشاركة في برنامج دراسي هناك، تم القبض عليه من وسط السكن الجامعي بمدينة الشيخ زايد، واحتجز لمدة عام ونصف على ذمة القضية، حكم بعدها عليه بالسجن المشدد 10 سنوات، وغرامة 100 ألف جنيه، بتهمة "الانتماء لجماعة محظورة".

قصة الخطيب لا تختلف كثيراً عن قصة السيد مهدي عاكف المرشد السابق للإخوان المسلمين -الرجل التسعيني- الذي لم يشفع له تاريخه في النضال الوطني ضد الاحتلال البريطاني، ولا رمزيته السياسية والوطنية.

هكذا وبكل بساطة يستهين جنرالات العسكر وقضاتهم بمستقبل شاب بريء، لم يرتكب جرماً ولم يفسد وزارة، ولا أهدر مقدرات وطنه ولا أوغل في دماء مواطنيه، ولا ضرب بأصوات شعبه عرض الحائط، ولا داس بمجنزراته أجساد العزل الساجدين، ورغم ذلك يتعاملون مع الشاب المهذب النابغ بكل غلظة وقسوة، نقيض تعاملهم مع عتاة المجرمين والقتلة.

معاناة الخطيب مع المرض بدأت منذ أكثر من سبعة أشهر كاملة، لم تحرك خلالها سلطات السجن ساكنا لإنقاذ حياته، مما دفع نشطاء وحقوقيين لإطلاق عدة حملات على مواقع التواصل الاجتماعي، لإقناع سجانيه بالسماح له بإجراء الفحوص المطلوبة، وبعد الموافقة جاءت الفحوص بنتائج صادمة حيث أظهرت إصابته بمرض نادر هو "طفيل الليشمانيا الحشوية" الذي يتسبب في تضخم الكبد والطحال وارتفاع الحرارة وفقدان الشهية ونقص الوزن، والآن يقبع الشاب مقيدا من أطرافه الأربعة على سرير بمستشفى حميات العباسية، التي لا يتوفر فيها العقاقير المضادة لمرضه.

منظمات حقوقية كثيرة تضامنت مع الخطيب وضجت بالشكوى، لكن الأذن العسكرية الصماء هيهات أن تسمع أو تعي، فهذه منظمة "هيومن رايتس مونيتور" تحذر على لسان مسؤولة الملف المصري بها سلمى أشرف من تكرار حالة الشاب مهند إيهاب الذي توفي في أحد مستشفيات نيويورك بعد إصابته بالسرطان في سجون مصر والإفراج عنه في حالة متأخرة.

وعبرت المنظمة عن تشككها في أسباب مرض المعتقلين وأوضحت أن "الكثير من السجناء كانوا أصحاء قبل دخولهم المعتقلات بشهادة ذويهم إلا أنهم أصيبوا بأمراض خطيرة نتيجة سوء أوضاع الاحتجاز".

وفي هذه الأثناء بعث الخطيب برسالة إلى والدته يحكي فيها مشاعره المختلطة بعد أن أنهكه المرض، الذي لم يشفع له عند من تحجرت قلوبهم وفقدوا إنسانيتهم، فيحكي لأمه قائلاً "يرفض عقلي التفكير في أن أموت هنا بعيداً عنك يا أمي وأخوتي… أخاف أن أموت وحيداً وسط أربعة حيطان".

لكن المبكي في الأمر هو تحول الخطيب من شاب طموح يحلم بمستقبل زاهر وبحياة كريمة ووطن متقدم، إلى مريض يصارع الموت، أمنيته الوحيدة أن يموت وسط أمه وإخوته… ياااه لهذا الحد وصل الحال بشباب مصر! فلذات أكبادها! أهكذا تفعل سلطة العسكر في عدة مصر للمستقبل؟! تقتل فيهم الأمل في كل شيء. حتى حب الحياة قتله العسكر.. فيتمنى الفتى الموت فقط بجوار أمه! فسحقا لنظام يتمنى شبابه الموت بدلاً عن الحياة!

ما يطمئن القلوب أن الحياة والموت بيد واحد أحد لا شريك له، فلربما كانت حياة الخطيب ورفاقه أطول بإذن الله من حياة سجانيهم، وأن يكون مرضه مثل "غيابة جب يوسف عليه السلام".

وأنا أكتب هذه الكلمات وحتى تصلكم، لا أدري هل سيكون الخطيب على قيد الحياة أم يكون لا قدر الله قد فارقها؟ غير آسفٍ على وطنٍ مسلوب تحول لسجنٍ كبير لغالبية مواطنيه، باستثناء بعض الفاسدين في الجيش والشرطة والقضاء وقليل من إعلامي النظام ورجال أعمال صنعوا على أعين أجهزة الاستخبارات!

قصة الخطيب لا تختلف كثيراً عن قصة السيد مهدي عاكف المرشد السابق للإخوان المسلمين -الرجل التسعيني- الذي لم يشفع له تاريخه في النضال الوطني ضد الاحتلال البريطاني، ولا رمزيته السياسية والوطنية، وتعنتت معه السلطات رافضة منحه الحق في العفو الصحي، رغم مصارعته لمرض السرطان وإصابته بكسر في الفخذ وفق ما أكدته ابنته علياء.

ما يطمئن القلوب أن الحياة والموت بيد واحد أحد لا شريك له، فلربما كانت حياة الخطيب ورفاقه أطول بإذن الله من حياة سجانيهم، وأن يكون مرضه مثل "غيابة جب يوسف عليه السلام" فيكسر الله الذي يقول للشيء كن فيكون قيده ويتم شفاءه على خير، ويسعده حتى يحقق كل أمنياته، ويخذل كل من تعنت وظلم الخطيب وعاكف ورفاقهم… وما ذلك على الله بعزيز.. وإن غداً لناظره قريب.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قتل عشرون -بينهم قائد ميداني من قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر- وأصيب أكثر من 53 آخرين بجروح متفاوتة خلال انفجار ألغام أرضية واشتباكات مسلحة مع مقاتلي مجلس شورى ثوار بنغازي.

الأكثر قراءة