كتب التراث بين التقميش والتفتيش

مُنذ أيام قرأت لأحد -المتنورين- كما يحبون أن يسمون أنفسهم زوراً مقالاً يقول فيه "احرِقُوا كُتُب التُراث الإسلامي واغلقوا جامعة الأزهر" وهو ما جعلني أكتب هذا المقال علّه يكون فيه الفائدة.

معنى كلمة التراث:
ورد في مُعجم الغنيّ (تُرَاثُ الأُمَّةِ: مَا لَهُ قِيمَةٌ بَاقِيَةٌ مِنْ عَادَاتٍ وَآدَابٍ وَعُلُومٍ وَفُنُونٍ ويَنْتَقِلُ مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ. التُّرَاثُ الإنْسَانِيُّ، التُّرَاثُ الإِسْلاَمِيُّ، التُّرَاثُ الأَدَبِيُّ). وكتب التراث هي تلك الموروثات التي حملت إلينا جيلا بعد جيل، وسأقتصر في مقالتي هذه على التراث الإسلامي وحسب، والدافع لذلك هو تعالي صيحات العلمانيين أو -المتنورين الجدد- كما يسمون أنفسهم على كتب التراث الإسلامي.

إن العوام هم أسرى العواطف، والعلماء أسرى الحجة، لكن أنى لهؤلاء أن يناطحوا العلماء؟! إن القوم لا يملكون الحجة ولا يقدرون على المناطحة فصاروا يبحثون عن حجج واهية -عاطفية لا علمية- لإقناع العوام أن المشكلة هي كتب التراث لا أفهامهم العفنة وقلوبهم المريضة، فصاروا يتهمون كتب التراث بالإرهاب تارة، وبالتشدد والجمود تارة أخرى!، وصار هؤلاء المدعون للتنوير يستخدمون مراكز القوة لفرض آرائهم وتمكين أفكارهم، فبعد حذف مناهج التربية الإسلامية من المقررات المدرسية في مصر صاروا يتغنون ليل نهار بنسف مناهج الأزهر وغلق جامعته!، وأصبحت منابرهم الإعلامية مركزا لتدمير مقدسات المسلمين وبث الشبهات في قلوب العوام.

العلماء في كل علوم الشريعة فما تركوا كتاباً مقمشاً إلا حققوه أو سعوا في تحقيقه بالطرق العلمية ليس بالهوى والعواطف، فمسند الإمام أحمد كمثال له عشرات التحقيقات والتخريجات والترقيمات والشروحات.

بعيداً عن العواطف، أين يكمن الخلل؟
دائماً ما تعتمد المناهج على ثلاثة أطراف: واضع المنهج وموصل المنهج ومُتلقي المنهج، وقد يكمن الخلل في واحدٍ من الأطراف الثلاثة في حالة المناهج الأرضية. أما المنهج السماوي فيستحيل أن يقع الخلل من واضعه فهو سبحانه وتعالى أعلم بخلقه ، قال تعالى "أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" (سورة الملك14)، ويستحيل أن يقع الخلل في موصل المنهج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنشهد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة، إلا أن الخطأ يقع دائماً من متلقي المنهج بسوءِ فهم أو بسوءِ تطبيق، وهنا يكمن الخلل.

كتب التراث بين التقميش والتفتيش:
لم يقل أحد من العلماء أن كتب التراث خالية من الأقوال الضعيفة والمرجوحة والمكذوبة!، لكن لفهم منهجية كتب التراث يجب أن نوضح مرحلتين يعتمد عليها البحث العلمي، مرحلة التقميش وهي الأولى ومرحلة التفتيش وهي الثانية.

فالتقميش وهي أن يجمع المرء باحثاً كل الآراء والأقوال صحيحة كانت أو ضعيفة، ويليها مرحلة التفتيش وهي أن ينقح الباحث ما سيق من أقوال فيستقي منها الصحيح ويترك منها الضعيف. ولهذا كانت كتب التراث على قسمين، كتب تقميش وكتب تفتيش أو بالمصطلح العلمي "الكتب المحققة وغير المحققة".

ولم تُوضع الكتب غير المحققة في الأصل للعوام وإنما وضعت للعلماء والمتخصصين ليحققوها ويستقوا منها الصحيح ويخرجوها للعوام، ولهذا دائماً ما ينبه العلماءُ العوام على عدم الاستقاء من الكتب الغير محققه، ومن هذا قول ابن الجوزي عن كتاب إحياء علوم الدين "فاعلم أن في كتاب الإحياء آفات لا يعلمها إلا العلماء"، وقد اعتمدت كثيرٌ من كتب التراث على التقميش فقط وذلك لضيق الوقت الشديد في عصور تدوين العلوم، إنّ كتاباً غير محققٍ قد يستغرق تحقيقه عشرات السنوات، فلو أن كل مؤلفٍ أراد تحقيق كتابه لضاعت كثير من الفنون!، ولذلك قال أبو حاتم الرازي "إِذَا كَتَبْتَ فَقَمِّشْ، وَإِذَا حَدَّثْتَ فَفَتِّشْ". ومن أسباب التقميش أيضا معرفة الصواب من الخطأ ولذلك قال علي بن المديني "الْبَابُ إِذَا لَمْ تَجْمَعْ طُرُقَهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ".

نعم كتب التراث فيها الصحيح والضعيف، فيها المحقق وغير المحقق، لكن ما شأني وشأنك بغير المحقق من الكتب؟! أهل الفن أدرى بها وأعلم بخباياها ودقائقها!، نعم أهل التخصص أدرى بما في هذه العلوم!، إن شئت أن تكون من أهل النقد والرأي والتخصص فافتح الباب بمفتاحه!، حصل آليات العلم وأدواته، وبعد ذلك حقق وانقد ونقح ولن يعترض أحد على ذلك مادام معك الدليل، لكن أن تنتقد من أجل النقد، لا تعرف قواعداً للعلم ولا علوم الآلة ولم تستقص في الدراسة فهذا هو الشين والعيب!

كل علوم الشريعة مقرونة بعلوم تحقيقية تنقيحية تعرف بعلوم الآلة، فالفقه الإسلامي مقرون بعلم أصول الفقه والقواعد الفقهية والمقاصد، وعلم الحديث مقرون بعلم مصطلح الحديث والعلل والتراجم، وهكذا كل علوم الشريعة لم يتركها العلماء بدون تنقيح أو تحقيق.

إن القارئ والمتتبع لكتب التراث يجد روعة في خلافات العلماء ومعاركهم ومن ذلك معارك الفقهاء ومعارك المحدثين ومعارك المفسرين، معارك تعبر عن روعة فقه الخلاف وفقه النقد مع الإبداع في إظهار الأدلة والخروج بعمل ضخم يخدم المتخصصين من العلماء، ومن أكثر الأمثلة الرائعة في مجال علم الحديث لمّا ألف الإمام عبدالغني المقدسي كتاب "الكمال"، فجاء من بعده الحافظ المزي فوجد في كتاب الكمال اخلالاً فألف كتاب "تهذيب الكمال" ثم جاء من بعدهما الإمام ابن حجر فاختصر وزاد عليهما أشياءً فاتتهما فألف كتاب "تهذيب تهذيب الكمال" بعد ذلك أراد ابن حجر أن يختصر الكتاب بعبارة قصيرة جامعة محررة فألف كتاب "تقريب تهذيب تهذيب الكمال" لتتجلي في خلافات العلماء دقة الفهم وروعة النقد والتعقيب على أسس علمية.

ومن الأمثلة الأكثر روعة في كتب الفقه الإسلامي، لما كتب ابن تيمية رسالةً يتبنى فيها القول بأن "الطلاق المعلق فيه تفصيل" فألف السبكي وهو من المعاصرين لابن تيمية كتاباً يرد فيه على أدلة ابن تيمية وهو كتاب "رافع الشقاق في مسألة الطلاق" وكان السبكي من أئمة الشافعية ويرى أن الطلاق المعلق يقع مطلقاً، فأجاب ابن تيمية على اعتراضات السبكي في كتاب "الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق" وهو كتاب من ثلاثة مجلدات يبلغ الألفي صفحة يرد فيها ابن تيمية على رأي السبكي!، ليخرج لنا في النهاية عمل ضخم يخدم الفقهاء في فقه الطلاق الإسلامي!

وهذا هو شأن العلماء في كل علوم الشريعة فما تركوا كتاباً مقمشاً إلا حققوه أو سعوا في تحقيقه بالطرق العلمية ليس بالهوى والعواطف، فمسند الإمام أحمد كمثال له عشرات التحقيقات والتخريجات والترقيمات والشروحات، وتفسير ابن كثير وموطأ مالك وغيرها من كتب التراث التي نعتز بها عليها الكثير من التحقيقات العلمية.

فكل علوم الشريعة مقرونة بعلوم تحقيقية تنقيحية تعرف بعلوم الآلة، فالفقه الإسلامي مقرون بعلم أصول الفقه والقواعد الفقهية والمقاصد، وعلم الحديث مقرون بعلم مصطلح الحديث والعلل والتراجم، وعلم التفسير مقرون بعلم أصول التفسير والبلاغة والنحو والصرف، وهكذا كل علوم الشريعة لم يتركها العلماء بدون تنقيح أو تحقيق.

تعلم.. املك أدوات العلم والدليل.. ثم حقق ونقح.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

غيب الموت العلامة العراقي المعروف الشيخ جلال الحنفي عن عمر ناهز 94 عاما. والعلامة الحنفي باحث موسوعي وصاحب مدرسة في الفقه واللغة العربية وقد عالج في مؤلفاته الغزيرة العديد من القضايا الإنسانية والشرعية وترك ثروة من الكتب العلمية.

بعد سبعة عقود من التدريس والتأليف وعشرات الكتب والبحوث والدراسات في المجال الفقهي، رحل أمس المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين في العراق العلامة الدكتور عبد الكريم زيدان أبرز منظري الفقه الإسلامي في العصر الحديث، عن عمر ناهز السابعة والتسعين عاما.

ورد في كتب التراث العديد من الأحاديث النبوية عن الفتن وعما سيجري في آخر الزمان، وكثيرا ما حاول الناس إسقاط ما ورد فيها على واقع حياتهم. فكيف نفهم هذه الأحاديث؟ وماذا تعني لنا؟ وهل كلها أحاديث صحيحة إسنادا؟

الأكثر قراءة