كان يا ما كان في قديم الزمان

لا شك أننا جميعاً سمعنا أو قرأنا القصص الخيالية الشهيرة وتأثرنا بأبطالها وبطلاتها، مع تحفظي الشديد على كلمة بطلات. وربما لا زلنا نشاهدها بإبداعات ديزني والإنتاجات السينمائية الضخمة الموجهة للكبار والصغار على حد سواء. قصص توارثتها الأمم من جيل إلى جيل وتواجدت في جميع الثقافات بنسخ متشابهة في المغزى حتى ولو اختلفت في الشكل والمضمون. وعلى الرغم من دور هذه القصص في التسلية وسرد العبر وتشجيع المخيلة والإبداع، إلا أنها قد تكون ذات تأثير سيء على تنشئة الأطفال وفرض صور نمطية لأدوارهم المجتمعية، لذلك لا بد لنا من التوقف هنا ودراسة هذه الروايات وتعديلها أو ربما إنتاج محتوى جديد لأطفالنا.

من الملاحظ في أغلب القصص والأساطير وجود امرأة جميلة ضعيفة مقهورة وفي الغالب ضحية لا تملك القدرة على تغير حياتها حتى يأتيها الخلاص على هيئة أمير أو زوج. جميعنا تعاطفنا مع سندريلا التي تحولت إلى خادمة لا حول لها ولا قوة بموت والدها، الرجل الذي وفر لها الحياة السعيدة، وبقيت كذلك حتى جاء رجل آخر، الأمير الوسيم، لينتشلها من عذابها ويعيد لها السعادة. الأميرة النائمة بقيت نائمة لمئة عام ليحضر الأمير ويوقظها! إريل، حورية البحر صاحبة الصوت العذب تخلت عن صوتها لتتمكن من الزواج من أمير هي من أنقذته في بداية القصة! ما العبرة من هذه القصص؟ أنت بلا زوج ضعيفة تتحكم بك اللأقدار؟ أنت عاجزة عن صنع سعادتك ووحده الرجل من يعطيكي أو يسلبكي السعادة؟ كنت سأحب سندريلا أكثر لو استطاعت تغير قدرها من دون جنية وحذاء وبعض من القرع والتعويذات. 

ولا ننكر هنا تصوير المرأة الجميلة ذات الملامح الصغيرة والشعر الأصفر الطويل بالمرأة الطيبة التي تفوز بقلب الأمير في نهاية الحكاية في حين أن الساحرة أو الشريرة غالبا ما تكون امرأة كبيرة في السن تحمل ملامح تميل إلى القبح والقسوة. لماذا كل هذا الضغط على الفتيات وفرض معايير للجمال بعيدة كل البعد عن الواقع لا تستطيع ربما أفضل صالونات وعمليات التجميل أن تحققها؟ في هذه القصص الخيالية، الجمال هو مفتاح السعادة أو حتى مفتاح النجاة. ألم يتسلق الأمير شعر ربانزل الذهبي الطويل ليحررها من سجنها؟ 

أدعو الأهل إلى انتقاء القصص التي تبني شخصية الأطفال لا التي تغسل أدمغتهم، هي دعوى لتعديل أو تأليف المزيد من الروايات التي تلغي الأدوار النمطية وتفرض القيود على الأولاد والبنات على حد سواء

كما أن بعض القصص تبث أفكاراً مغلوطة عن الحب والمشاعر الإنسانية. في الروايات، الحب يحصل من أول نظرة، حب يقلب حياة الأبطال رأساً على عقب ويؤدي إلى السعادة الأبدية… ولكن ما هي السعادة الأبدية؟ لم يخبرنا أحد ما هي أخبار سندريلا أو بياض الثلج بعد الزواج! أكاد أجزم أن حالهن كحال جميع الزوجات، يوم عسل ويوم، أو ربما أكثر، بصل!

وبالحديث عن المشاعر الإنسانية، غالبا ما تصور زوجة الأب أو العمة بالقسوة والفظاظة، صفات انتقلت من الحكايا لتصبح صفة ملتصقة بالدور الاجتماعي لا بالشخصية والجوهر. لماذا كل هذا الظلم والحكم المسبق على بعض الفئات الاجتماعية؟ إني لأتعاطف مع كل امرأة شاءت الأقدار أن تصبح زوجة أب… فهي غالباً بنظر الأولاد والأهل والجيران، الشريرة فظة القلب ميتة المشاعر. 

قد تعتقدون أني قد بالغت وأني أسعى لهدم ومحي تراث تناقلته الأجيال والثقافات… على العكس تماماً! أنا فقط أدعو الأهل إلى انتقاء القصص التي تبني شخصية الأطفال لا التي تغسل أدمغتهم، هي دعوى لتعديل أو تأليف المزيد من الروايات التي تلغي الأدوار النمطية وتفرض القيود على الأولاد والبنات على حد سواء. قصص تنسج شخصيات قادرة على غرس قيم العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين من دون صراعات وخطابات وأيام تطالب بإنصاف المرأة. في المحصلة، من أنا لأحرم أطفالنا من سماع كان يا ما كان في قديم الزمان.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة