عقدة الواقعية بين فقه متصلب وفكر يدعي الحداثة

أنطلق لكتابة هذه السطور من فرضيتين متكاملتين لابد من التأكيد عليهما ابتداء؛ الأولى أن بعضنا لم يع بعد نواميس تطور هذا الكون، وتبعا لذلك حتمية تطور الظاهرة الإنسانية، فكل شيء في تغير من حال إلى حال، ولا راد لهذه الحقيقة. 
 
أما الثانية فمتمثلة في ضرورة التعاطي مع الظاهرة الاجتماعية بوسائل ملائمة، ومتجددة لملاحقتها، والحقيقة أننا أحيانا نحاول اختراق هذا الواقع إما بوسائل بالية خارج سياقها الزمني، وإما بآليات دخيلة لا تعطي اعتبارا للجغرافيا ولا للخصوصية الحضارية.

ليست معقولية الفكرة، وجدارتها، وأحقية الأخذ بها نابعة من سلامتها من حيث بنائها المنطقي، منطلقاتها؛ وإنما نابعة من واقعيتها بالدرجة الأولى، وقدرتها على التفاعل مع محيطها المعني بها وأنها قادرة على التأثير فيه. إن إدراك هذا المنطلق لهو السبيل نحو هزيمة عقدة الواقعية في التفكير.

إذا خرجت المرأة من البيت لتصيب علما أو عملا فهي ليست بالضرورة انتصرت لفكر حداثي مستورد، ولا هي تنكرت لمبادئها، وقيمها الحضارية، والدينية حتى تكون في نظر البعض مصدرا لكل البلاء

لا تخلو الساحة الفكرية والفقهية اليوم ممن يحاول التوفيق بين احترام المرجعيات الدينية، والثقافية، وبين ضرورة مسايرة حتمية التطور كسمة تطبع الظاهرة الاجتماعية؛ فيحاول هذا الطرف معالجة الظاهرة الاجتماعية سواء انطلاقا من أسس حضارية تراعي مرجعية المجتمع الدينية والثقافية، أو بوسائل هي في أصلها امتداد لفكر حداثي غربي لكن يراعي في طرحه البيئة التي يخاطبها به.

ولربما هذه المساحة هي معركة الصراع الحقيقية بين ما يمكن أن نطلق عليه توجهات فكرية حداثية، وأخرى محافظة. أما من يحاول التغريد خارج هذا السرب إما بالتقوقع أقصى اليمين ممن يقودهم الحنين إلى الماضي إلى تجاهل حاضرهم. أو أقصى اليسار ممن يتبنى حداثة بمفهومها المتطرف، فذلك يعاني بلا شك عقدة الواقعية، ولعله يبقى الأقل تأثيرا في بيئته، ومجتمعه.

فمشكلة هؤلاء هي عدم الوعي بما يحيط بنا من خصوصية وتطور في نفس الآن، فيفتقدون بذلك قيمة الواقعية في التفكير، والقدرة على مواجه المجتمع بما له من خصائص بفكر قادر على التأثير فيه، وتثبيت أركان التطور لديه. فلو افترضنا استأثار هؤلاء بالعقول؛ فلن تجد إلا ما يزكي انفاصاما لا تدرك مآلاته. ومن تجليات هذا الانفصام أن تجد من تشبع بقيم الحداثة الغربية يتشدق بأفكار مستوردة، دون وعي أو بتجاهل لحقيقة أن البيئة التي يخاطبها لا تستوعب ما يدعو إليه. فبئس الفكرة وبئس المقلد.

في الضفة الأخرى تجد من يقتات على جماجم الموتى. وبأفكار القدماء واجتهادهم يصعد المنبر، ويخطب بتكلف في اللغة، وضيق في النظر. فلن تجد من يتحلق حوله في الغالب الأعم، ومن غير تعميم إلا ذو حمية واندفاع. وهو غير مدرك أن العالم أو المفكر ابن بيئته التي نشأ فيها يخرج من رحمها ليثور على واقعه، فيفصل الحلول بالقدر الذي تستوعبه العقول، من دون تنكر لمنطلقاته الدينية التي يبني عليها فكره، واجتهاده. كما أنه غير مدرك أنه لو تفتق ذهنه بنصف القدر الذي تفتق به نبوغ من سبقه لقدم لهذه الأمة ما ينفعها.

بين هاتين الضفتين المتنافرتين لن تجد إلا سيلا جارفا من التيه، والشرود؛ شرود من تقزز من فكر منحل لم تقبله سريرته ولا فطرته؛ فرفضه إما عن وعي بضرورة حماية خصوصيته الحضارية والدينية، أو عن غير وعي بفعل ما تربى عليه من قيم ومبادئ شكلت له زاوية نظر معينة، وزاوية نظره هذه سليمة لا ريب.

أي فقه وأي فكر أنتجناه نحن لنؤثر في التشريعات؟". فلا تجد في الغالب الأعم إلا باحث في " العلوم" القانونية مغرق في الشكلانية وشرح النصوص القانونية، وبحث إشكالاتها التقنية ليتسنى للطالب فهمها.

ثم شرود من نفر ممن نجده لا يتكلم إلا بالرجوع إلى ما نُحت على عسيب نخل من وحي اجتهاد عباقرة زمن قد ولى. فالفقيه هو من يعيش عصره وينفتح على بيئته ليس فقط بمستحدثاتها ومستجدات علومها وإنما بثقافتها والوعي بأنماط التفكير السائدة فيها. ولست هنا في دعوة إلى التنكر لتراثنا فمنه المنطلق، وعليه توضع الأركان؛ بل ينبغي تصنيف هذا التراث، وانتقاء ما يحتاج إلى تحقيق، وتثقيف، وتجديد لإعادة الروح فيه؛ حتى لا تكون العقول ضحية نبوغ من سبقونا ممن استطاعوا بناء صرح علمي، وفكري عمر مطولا.

مع العلم أن كثيرا من الفقهاء قطعوا أشواطا كبيرة لمواكبة المستجدات التي تجري في كافة جوانب الحياة العامة في المجتمع من خلال موجات التحديث التي على قلتها تبقى ذات أثر. فالحقيقة المرة التي تواجه عقولا تأبى التجاوب مع الواقع أنها ليست إلا أبواقا، بعضها يخترق معطى الزمن فيصيبنا بدبدبات محملة بإرث ترتفع به إلى درجة التقديس، والأخرى أبواق تخترق معطى الجغرافيا بفكر أنتجته عقول غيرها في بيئة مختلفة، فيحاولون بصراخهم اختراق بنية اجتماعية لها مالها من الخصوصية. لابد من تذييل هذه السطور بنماذج جسدت هذه العقدة مع الواقع، أملا في إعطاء صورة واضحة عن الحالة التي نحن بصددها.

فمثلا خروج المرأة من البيت لتصيب علما أو عملا فهي ليست بالضرورة انتصرت لفكر حداثي مستورد، ولا هي تنكرت لمبادئها، وقيمها الحضارية، والدينية حتى تكون في نظر البعض مصدرا لكل البلاء، والنقم. فكل ما هنالك أن تيار التحول جارف لا جدوى من اعتراضه، ولابد من التجاوب معه بآليات متجددة تحتوي خصوصيته انطلاقا من ثوابت دينية وأسس حضارية تجعلنا نتقبل، ونستأنس بواقع جديد، أما محاولة نسف هذا الواقع فذلك ضرب من العبث.

يقول علي الوردي في كتاب مهزلة العقل البشري: "… أما اليوم فقد بطل فعل السيف، وذهب زمان العضلات المفتولة والأنف الشامخ، إذ حل محله زمان الذكاء والدأب وبراعة اليد واللسان. وبهذا خرجت المرأة تنافس الرجل في عمله… فلا سيف هناك ولا مصارعة". فتطور أنماط العيش يفرض مسايرته. 

فمشكلة هؤلاء هي عدم الوعي بما يحيط بنا من خصوصية وتطور في نفس الآن، فيفتقدون بذلك قيمة الواقعية في التفكير، والقدرة على مواجه المجتمع بما له من خصائص بفكر قادر على التأثير فيه.

بالإضافة إلى قضية المرأة فمن المواضيع التي اشتغل بها الباحثون عندنا في كليات الحقوق مسألة أسلمة القوانين، أو ما يعرف في اصطلاح الأصوليين بالاستصلاح، فيتم الانطلاق من التساؤل حول مدى تأثر هذه القوانين الوضعية بالفكر أو الفقه الإسلامي؟. ولكي نكون أكثر تصالحا مع الواقع يجدر بنا تعويض السؤال بالصيغة التالية "أي فقه وأي فكر أنتجناه نحن لنؤثر في هذه التشريعات؟". فلا تجد في الغالب الأعم إلا باحث في " العلوم" القانونية مغرق في الشكلانية وشرح النصوص القانونية، وبحث إشكالاتها التقنية ليتسنى للطالب فهمها.

وذلك دون اعتبار لأي مقاربة حضارية أو أي محاولة لتكبد عناء التفكير، وإعادة إنتاج الإطار النظري الذي يشتغل فيه. وفي الجانب الآخر لا تجد سوى من يحفظ المخطوط وجلدته، وما على الجلدة بكل تفان وصدق؛ وبالتالي لا تجاوب مع واقع الحال. ولا أجد في هذا المقام أبلغ من قول عبد الرزاق السنهوري: " شيئان أود ترسيخهما قبل أن أموت… الأول هو فتح باب الاجتهاد في الشريعة، الذي سيسفر بدوره عن مصدر تشريعي حي في الشرق، والثاني هو أن آخذ بيد الفلاح المصري فأحرره من عذابه".

فلابد إذن أن نعترف أن لكل مجتمع إرثه الثقافي والحضاري الذي لا ينبغي التنكر له، بل إن كل محاولة لتجاهل خصوصياته محكومة بالفشل لا محال. لكن في المقابل فإن رياح التطور عاتية، والواقف أمامها سينكسر لا محال، وأن التعنت في وجهها لا يجلب سوى الانهزام الحضاري في مواجهة ضارية تستعمل فيها أسلحة ناعمة وهي أسلحة المعرفة وتجدد مناهج التفكير.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

توالت ردود الفعل الرافضة لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إقالة رئيس مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) جيمس كومي الذي كان يقود تحقيقا بمزاعم التدخل الروسي بانتخابات الرئاسة الماضية.

الأكثر قراءة