النص القرآني بين التفسير والتأويل

مع امتلاء المكتبة الإسلامية بكتب التفسير القديمة والحديثة للنص القرآني إلا أني لا زلت أرى فجوة بين كل تلك التفاسير، ولا زلت أرى تثاؤبا فكريا في التعامل مع النص القرآني، مع إيمان المسلمين بأنه نص خالد للزمان والمكان، ولكن مقتضيات ذلك الخلود لم أجدها في أعمالهم وإنتاجهم الفكري أثناء دورانهم حول النص القرآني، وقد لمحت من خلال بحثي الطويل في كتب التفسير التي تجاوزت ستين تفسيرا، تنتمي لمختلف المدارس والمذاهب والجماعات والطوائف، مقارنا بين تفسير الآية عند هذا الاتجاه أو ذاك، بأن القرآن بحاجة إلى قراءتين كي نحقق أهدافه ومقاصده، وهذا ما وجدته مفقودا أو شبه مفقود بين تلك التفاسير، وخلاصة هذه القراءتين التي نحن بحاجة إليها كالتالي:
القراءة الأولى:
قراءة تفسيرية تزامنية تراعي السياق التاريخي الزمني لنزول الآيات، للوصول إلى المعنى المباشر القريب للنص، مراعية كل السياقات الأخرى المساعدة للوصول للمعنى الأدق والأوضح والأبسط، كسياق الآية ضمن الآيات التي قبلها وبعدها، وسياق السورة وسياق الكلمة في القرآن، كل ذلك في ضوء مقاصد القرآن وأهدافه، وفي هذه القراءة يحاول الباحث أن يعيش أجواء وظروف نزول النص، والثقافات التي كانت زمن نزوله، والجغرافيا التي احتوت نزوله.

أما القراءة الثانية:
فهي قراءة تأويلية تطورية تنطلق من الرؤية الواضحة البسيطة في القراءة الأولى، لتعيد تنزيل معاني تلك الآيات على عصرنا، مراعية المعاني لتلك الآيات أكثر من مراعاة الألفاظ، لأن التوقف عند بعض تلك الألفاظ قد يبعدنا عن مقصد الآيات ومقصد القرآن كله، فنقع في حرفية تجعل المسلم المعاصر يعيش فصاما، بين الفهم القديم وثقافة العصر الحديث، وهذه القراءة يمكن أن نطلق عليها تطورية باعتبارها تتطور باستمرار بحسب مصطلحات كل عصر، ويمكن أن نطلق عليها أيضا قراءة مقاصدية، كونها تراعي مقصد النص أكثر من حرفيته.

المشكلة بالنسبة للتعامل مع النص القرآني تكمن برأيي في غياب قراءة تفسيرية تزامنية تقرب لنا الصورة في لحظة النزول، وغياب قراءة تأويلية تطورية تنزل الآيات من جديد على اللحظة التي نعيشها.

وما وجدته في كتب التفسير أنها لا تلتزم بالقراءة التفسيرية التزامنية كما هي وقت نزول النص، وإنما تقفز أحيانا فتضع اللفظ القرآني في غير محله الزماني والمكاني، انطلاقا من قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأن خطاب القرآن خالد للزمان والمكان، وهذا لا إشكال فيه، ولكن من يريد أن ينطلق إلى ذلك العموم عليه أولا أن يمر بالقراءة التفسيرية التزامنية لا أن يقفز عليها، أو يتجاوزها، فإذا تحدث القرآن عن المشركين فعلينا أن نذهب أولا إلى أولئك المشركين الذين نزل فيهم النص والذين عاشوا في مكان وزمن تاريخي معين، قبل أن نأخذ بعموم النص إلى كل مشرك في أي زمان أو مكان.

وإذا تناول القرآن عن اليهود أو النصارى فإنه يعني تلك الفئة التي عاشت زمنا قبل ظهور الإسلام، وأحيانا تلك الفئة عاشت في زمن نزول النص القرآني، ولا يصح تنزيل ذلك التعميم اللفظ إلى يهود أو نصارى اليوم إلا بقراءة مقاصدية. أما إغفال التفاسير للقراءة التأويلية التطورية فهو يكاد يكون واضحا لكل قارئ أو باحث في هذا المجال، ولذا نجد أن كثيرا من المسلمين يرددون مرارا بأن القرآن صالح لكل زمان ومكان، و حين تتوقف معهم قليلا لتقول لهم كيف ذلك؟ لا تجد الإجابة!

وللأسف لا نكاد نجد أي من كتب التفسير المعاصرة قد أعمل جهده جيدا لهذ القراءة، فلمحة سريعة على التفاسير المعاصرة نجد أن ابتعادها عن القراءة التفسيرية التزامنية جعل قراءتها المعاصرة بعيدة عن المعنى الذي نزل به النص وصارت محملة بما لا تحتمل وأقرب مثال لذلك قراءة محمد شحرور، وبعضها الآخر وقف عند القراءة التزامنية ولم يلحقها بقراءة تطورية فبدت قراءته وكأنها تقول بفكرة "أرخنة النص" أي جعله صالحا لذلك التاريخ فقط، وهذا ما وجدته في قراءة الجابري وإن لم يفصح عنه، على أنه لا يشترط أن يقوم الباحث بكتابة القراءتين، فقد يقوم بالأولى ثم يأتي بعده من يكمل القراءة الأخرى، أما قراءة الترابي في "التفسير التوحيدي" فقد توزعت بين هذا وذاك، فلا اقتربت من المعنى القريب للآية بالقراءة التفسيرية التزامنية ولا كانت قراءة تأويلية تطورية بما فيه الكفاية، فكثير من القضايا التي أثارتها أسئلة العصر لم يتوقف عندها بل تجاوزها كما تتجاوزها بقية التفسيرات التقليدية المعاصرة.

خلاصة المشكلة بالنسبة للتعامل مع النص القرآني تكمن برأيي في غياب قراءة تفسيرية تزامنية تقرب لنا الصورة في لحظة النزول، وغياب قراءة تأويلية تطورية تنزل الآيات من جديد على اللحظة التي نعيشها.

أي تعميم للآيات القرآنية سيخرجها عن سياقها القرآني، وما أكثر التفاسير التي ابتعدت عن ذلك المقصد وعممت بعض الآيات التي كانت مخصصة بفئة معينة، لأسباب كثيرة.

دعوني أضرب مثالا سريعا للاكتفاء لإشكالية كان سببها عدم الوقوف على القراءة التفسيرية التزامنية، يقول تعالى (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التوبة : 5)، والقراءة التزامنية لهذه الآية ستجعلنا نبحث عن من هم أولئك المشركون الذين حكمت عليهم بالقتل وليس لهم من خيار غير الإيمان، وحين نتأمل الآية في ضوء القراءة التزامنية سنجد أن أولئك المشركين انطبقت عليهم أوصافا استحقوا بها القتل، وليس مجرد الشرك وحده هو سبب الحكم بالقتل.

فالآيات قبلها وبعدها تصفهم بأنهم نقضوا العهد ونكثوه، واعتدوا على من تعاهدوا معهم بل وقتلوهم، وتخبر بأنهم هم من بدأ المؤمنين بالقتال، وطردوا الرسول ومن آمن معه من ديارهم (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ) (التوبة : 13)، أولئك القوم الذين انطبقت عليهم تلك الصفات هم من تتحدث عنهم الآية، فإذا نزعناها من سياقها ذلك وأنزلناها على كل مشرك فقد ابتعدنا عن القرآن ومقصده، وخالفناه، فتلك الآية خاصة بأفراد وزمن معين فقط، وأي تعميم لها سيخرجها عن سياقها القرآني، وما أكثر التفاسير التي ابتعدت عن ذلك المقصد وعممت بعض الآيات التي كانت مخصصة بفئة معينة، لأسباب كثيرة.

وهكذا ستساعدنا القراءة التفسيرية للنص أولا على فهم كثير مما كان خاصا ولا يصح تعميمه، ثم تأتي القراءة التأويلية أو المقاصدية لتنزل مقاصد تلك الآيات على عصرنا.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قتل عشرون -بينهم قائد ميداني من قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر- وأصيب أكثر من 53 آخرين بجروح متفاوتة خلال انفجار ألغام أرضية واشتباكات مسلحة مع مقاتلي مجلس شورى ثوار بنغازي.

الأكثر قراءة