كيف مرّ السجن على طفولتي؟

حينما كان أبي أسيرا وكنت في الثامنة من عمري، ما زلت أذكر حتى الآن الكثير من الذكريات حينما كان أبي أسيرا في سجون الاحتلال، الليلة التي تم اعتقاله فيها وتساؤلي عن كمية الأيام التي سيكون فيها بعيدا عنّا، لم أكن أعي كثيرا عمّا يدور حولي سوى أنني ودّعت أبي للقاء تجهلها الأيام، ما زلت أذكر ابتسامته حين ودعنا ودموعي التي حاولت جاهدة إخفاءها عن الجميع، مرّت الأيام بطولها ومشقتها، وطوال هذه الأيام كانت أمي ثابتة لا تهتز عزيمتها فلا نهتز معها، ونزداد صمودا وقوة لتزداد قوة أبي معنا.
 
ما زلت أذكر زياراتنا لأبي وتعبها وثقلها، ولحظة الهناء الوحيدة حينما تلتقي العين بالعين، ويشفى القلب برؤية حبيبه، أذكر نشيد "ناطر ع البوابة" التي كنت أغنيها كل يوم على أمل أن يصل صوتي إلى أبي، شاهدت العديد من الفيديوهات لأبناء الأسرى لحظة اللقاء بأبائهم وأعادوني لشيء من الماضي، أعادوني لأول مكالمة وأول زيارة وأول لقاء، أذكر العديد من الزيارات التي مُنعنا منها بعد كل التعب الذي لاقيناه.

أذكر الأيام التي كنّا نتحدث فيها عن أبي أنا وأخي، أذكر في الاقتحام الثاني حينما كان أبي بعيدا عنا، حينما فتحت عينيّ على وقع أقدامهم القذرة، وأصواتهم الشنيعة، وصوت قلبي الذي أخبرني: "إن كانت أمي لا تضعف فلم أضعف أنا الآن؟"، فنهضت على قدميّ وجففت دموعي، وقتلت خوفي، لأنه حتما هذا الوقت ليس وقت الدموع التي تزيد من شماتة الأعداء، بل وقت إظهار فشلهم في كسر نفوسنا حتى وإن كنا أطفالا.

علّموا أطفالكم الحرية الحقيقية، حرية الروح وثباتها، اغرسوا داخلهم العناد أمام محتلّهم، فالأسير أحوج ما يكون للشعور بقوّة أحبائه، لا تعلّموهم الضعف والخوف، بل علّموهم الجرأة أمام أعدائهم.

أذكر يوم خروج أبي من السجن، كانت الدقائق تلاحق بعضها والثواني أطول من السنتين اللتين قضاهما في سجنه، بقيت أسبوعا كاملا أو أكثر أرسم كل شيء أمامي كيف سيكون، بماذا سأحدثه وبأي قصة سأبدأ، كيف سأحضنه وهو لم يمسك بيدي منذ سنتين؟ كيف سأخبره أنني اشتقت له كثيرا؟

هذه الأمور الصغيرة البسيطة وغيرها كانت تؤرق لياليّ القليلة التي تفصلنا عن حريته، كنّا نعدّ الأيام مع جدتي وإخوتي وجميع أقاربي، وحين وطأت قدماه عتبات المنزل المشتاق أخفيت دموع فرحي كما أخفيت دموعي ألمي، وتحجرت الكلمات داخلي ونسيت كل شيء خططت له، كان يكفيني وقتها أنني لن أرى أبي من وراء زجاج باهت بعد الآن.

لكن الألم كان أكبر حينما كان ينتظر أبي قيدا آخر بعد خروجه، وهو قيد سجون السلطة الفلسطينية، حينما استيقظت على وقع أقدام الضابط الفلسطيني لا الإسرائيليّ، حينما عاد الحرمان من لحظات الفرح النديّة مع أبي لكن السبب كان السلطة "الفلسطينية"، حينما كان العلم الذي يرفرف على السجن الآخر العلم الفلسطينيّ وليس العلم الإسرائيليّ، وغير أبي الكثير ممن عانوا من سياسة الباب الدوّار، فلا سامح الله من قيّد الأيادي التي خدمت الوطن بكل ما تملك، ولا جعل لهم أمانا، ولا راحة بال.

مثل هذا وأكثر هي مشاعر الأطفال في غياب آبائهم أو أمهاتهم عنهم في السجون على اختلاف أنواعها.
لذلك، علّموا أطفالكم الحرية الحقيقية، حرية الروح وثباتها، اغرسوا داخلهم العناد أمام محتلّهم، فالأسير أحوج ما يكون للشعور بقوّة أحبائه، لا تعلّموهم الضعف والخوف، بل علّموهم الجرأة أمام أعدائهم، لا تعلّموهم الاختباء، بل علّموهم أن يكونوا في الصفوف الأولى في مواجهة المصائب، لا تعلّقوا قلوبهم بمتاع الدنيا الزائل، بل علّقوها بالله وبدعوته التي تحتاج للتضحيات كي تعلو وتسمو.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة