غرماؤنا السياسيون وبرشلونة

صمت رهيب يخيم على وجوه الشباب منذ الصباح الباكر، إقبال متزايد على شراء القات، رغم ارتفاع سعره، المنتزهات، والمقاهي تشهد حيوية، وحركة غير مسبوقة، أقبال كبير على الأزياء الرياضية الخاصة بفريقي الريال، والبرشا.. حسناً إنها طقوس الكلاسيكو المرتقب، بين الغريمين الإسبانيين.

تلك مشاهد من تحضيرات اليمنيين، لذلك الكلاسيكو، الذي بات الشغل الشاغل لكل أنصار الرياضة في العالم، لا لليمنيين فحسب، بيد أن الكلاسيكو بالنسبة لليمنيين له مذاق خاص، إذ أن التعصب الكروي لدى المشجع اليمني، يبلغ حدوداً مفرطة، وغالباً ما تشهد مقاهي النت عراكات دامية، بين مناصري قطبي الكرة الإسبانية (الريال، والبرشا)، وفي أحايين أخرى تجد المشجع المدريدي، يتقاسم الجلسة مع المشجع البرشلوني، والعكس، ويتبادلان الأحاديث بكل حب، واحترام، وينهيان السهرة بعبارات دبلوماسية لطيفة، بغض النظر عن نتيجة المباراة.
 

بعيدا عن سلبيات، وإيجابيات التعصب الرياضي لدى اليمنيين، يبقى الجميل في الموضوع، هي تلك الحشود الجماهيرية الكبيرة، التي تخرج إلى مقاهي النت، في سبيل الرياضة، رغم الحرب المستعرة في أرجاء البلاد، بين الفرقاء السياسيين، والأجمل أن اليمنيين يعزفوا عن الخوض في الشأن السياسي، على صفحاتهم في مواقع التواصل، ويتحولوا فجأة إلى مختصين في الشأن الرياضي، منهم من يحلل مباريات ناديه المفضل، ويستعرض إنجازاته، ومنهم من يقيم أداء الأندية، ويكيل المدح لنجومه المفضلين، وهكذا يستمر الوضع، إلى أن تنتهي جلبة الكلاسيكو، ومن ثم يعودوا للانخراط في مستنقع السياسة مجددا، كثقافة تجذرت في أنفسهم، ولا مفر منها إلا إليها.

سيشرب الساسة، ذات يوم، من نفس الكأس، التي أذاقوها لشعب عظيم كاليمن، وكذلك الأمر بالنسبة لبرشلونة، التي حطمت قلوب مشجعي سلطان اللعبة الشعبية (ريال مدريد)، على حين غرة.

الجانب الفكاهي في الأمر، أن مشجعي الفريق، الذي يتعرض للخسارة في الكلاسيكو، يكونوا السباقين في فتح المواضيع السياسية، فور انتهاء المباراة، بغية الهروب من شماتة مشجعي الخصم، هذا من جهة، والترويح عن أنفسهم من خيبتهم الرياضية، من جهة أخرى، وفي هذا الصدد، استعرض معكم وضعي أنا، كأحد مشجعي الريال_الذي خسر الكلاسيكو، بين جماهيره_، وقبل أن ينتهي الكلاسيكو بثوانٍ، غادرت المقهى خلسة، طمعاً في النجاة من تهكم أصدقائي الكتلونيين، ولم أفتح الفيس بوك ليلتها، هرباً من التهكم أيضاً، وفي اليوم التالي، باشرت نشاطي الفيسبوكي، بمنشور سياسي، إلا أن التهكم كان في انتظاري، وكأني كنت ضمن كتيبة الريال الخاسرة في قلب البرنابيو، لا مشجع بسيط ينتمي إلى أقاصي الكرة الأرضية.
 

في الحقيقة، نحن مشجعي الريال، في اليمن، وغيرنا الكثير، نعايش فصلاً من العناء السياسي، والمعيشي، بسبب ساستنا المتناحرين، على المال، والسلطة، وفصلاً آخر شيدته برشلونة، أمام تطلعاتنا الرياضية، بتفوقها الأول من نوعه على فريقنا، في عهد المدرب المدريدي، زين الدين زيدان.
 

استحق برشلونة الفوز، واستحق اليمنيون متعة الكلاسيكو، في مرحلة عصيبة من عمر البلاد، يصعب معها الحصول على متعة، ولو لحظية كمتعة الكلاسيكو المثير، ورغم هذا، وذاك يبقى مدرديديو اليمن، يفتشون في حقبة المستقبل، عن نصرٍ سياسي، يطبب وجعهم المعيشي، الذي اجترحه تجار الحرب في بلادهم، ونصرٍ آخر على الكتلان، في البرنابيو، يغسل عار السقوط المفاجئ، أمام غريم لدود، كبرشلونة.

لطالما طبقت كرة القدم المقولة "الكورة دوارة"، وكذلك الحياة أيضاً، دوارة، ولن تدوم انتفاشة تجار الحروب، الذين رسموا واقعا يمنيا أسود، في عيون أبنائه، والعالم بأسره. نعم سيشرب الساسة، ذات يوم، من نفس الكأس، التي أذاقوها لشعب عظيم كاليمن، وكذلك الأمر بالنسبة لبرشلونة، التي حطمت قلوب مشجعي سلطان اللعبة الشعبية (ريال مدريد)، على حين غرة.

أثق في دوران كرة القدم، كثقتي في عدالة رب السماء، حينما يداول الأيام، بين الخلائق، لحكمته الجليلة، ونوره المهدى، ولا نامت أعين الموجوعين، حتى توافيهم مشيئة الله بالقصاص، فلننتظر مآلات الغد، وأملنا في الله كبير.



حول هذه القصة

يعيش اليمنيون أوضاعا معيشية صعبة بسبب ارتفاع الأسعار، نتيجة تراجع سعر صرف العملة المحلية إلى 350 ريالا للدولار الواحد. كما فاقم من المعاناة تأخر صرف الرواتب.

16/2/2017

لا يذكر معظم اليمنيين مجاعة 1943 التي حفرت عميقا بذاكرة من عاصروها، إذ لم يعش اليمنيون بعدها أمنا غذائيا كاملا؛ لكن كابوس المجاعة تلاشى قبل أن تلوح ظلاله الكئيبة ثانية.

2/3/2017

أطلقت أسرة السياسي اليمني محمد قحطان حملة #الحرية_لقحطان على مواقع التواصل بمناسبة مرور عامين على اختطافه وإخفائه من قبل مليشيا الحوثي، وقد تفاعل معها الناشطون اليمنيون.

5/4/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة