علم نفس التدين (6).. سيكولوجية أنا ربكم الأعلى

في لقاء مع قناة الجزيرة إبان الثورة المصرية سألني المذيع عن تفسيري السياحي لسلوك الطاغية حسني مبارك، فأجبت أنها نفس سيكولوجية فرعون وهو ينادي أنا ربكم الأعلى. وعند مطالعتي لكتاب الفيلسوف طه عبد الرحمن عن روح الدين وجدته قد أسهب وأبدع في وصف هذه السيكولوجية لدى الفاعل السياسي حيث يتماهى السياسي المستبد مع الله وصفاته فينزلها على نفسه. وحيث أني وجدت أن ما أوضحه طه عبد الرحمن فيه من الشرح لفهم نفسية هؤلاء المستبدين ما يجعلنا نستطيع أن نتعامل معهم ونفسر كثير من أفعالهم التي تنبع من منظومة أنا ربكم الأعلى، فإني سأعرض بشكل موجز ومبسط قدر الإمكان ما ذكره طه عبد الرحمن بهذا الصدد:

أن الفاعل السياسي المستبد يتعامل مع المواطن تعامل المملوك له، إذ يبدو له أن وجود المواطن متعلق بوجوده كما يتعلق وجود العبد لسيده فيتسلط الفاعل السياسي على المواطن تسلط السيد على عبده. فالباعث الأساسي لكل أفعال هذا المستبد هو "شهوة التسيد".

التماهي مع الألوهية

المستبد وهو يصعد سلم السلطة يقيم نفسه مقام الله، فيسند إلى نفسه أوصاف الكمال؛ فيرى نفسه سيد مالك مثل الله وكلما استغرق في العمل السياسي زاد تعلقه بالتسيد على المواطنين، حتى إذا أصبح الحاكم الأعلى اعتقد أنه الرب الأعلى منتحلا صفات الألوهية من التكبر والتجبر والاستعلاء وحاملا المواطنين على أن يراعوا مقامه بما يراعى به مقام السيد المالك في العالم الغيبي، وقد لا يقضي تمام شهوته بأن يسود ظاهر معاملاتهم مستسخرا لأجسادهم، فيسعى لأن يسود باطن أعمالهم أيضا مسترقا لقلوبهم كأنه يريد أن يحصل في دولته ما يحصله الله من جلالة وقداسة سيادة وعبادة.
 

الإطغاء ليس مجرد الافتنان بتسيد الطاغية وإنما هو دعوة صريحة مستمرة من الطاغية إلى نقل التعبد إليه دون سواه، ويغري الطاغية الجماهير بأن يطمعهم أنهم يمكن أن يصبحوا آلهة مثله يتسيدون على من دونهم.

التماهي مع وحدانية الله
ثم هو يتماهى مع وحدانية الله فيسعى وهو يمارس النشاط السياسي أن يتخذ طريقا يتفرد به وينسب إليه على وجه الاختصاص به، وهكذا كلما أوغل في العمل السياسي أصبح لا يقبل إلا أن ينصهر المجتمع في بوتقة واحدة لا مجال فيها للتكتلات الخاصة، ولذا ينبغي أن تحيط مؤسسات الدولة بكل شيء تسلطا وتعرفا ملتزمة بفكرانية سياسية تصل آراء ورؤى الحاضر بآمال وطموحات المستقبل، وقائمة على جهاز أمن شامل يقوي شوكة الاستبداد ويوسع نطاقه. وكذلك ينبغي أن يكون الحاكم هو القائد الفرد كأنه الواحد الأحد إذ يجسد روح الوحدة المذهبية والفكرية فيجمع في يد واحدة كل السلطات السياسية حتى أنه ينازع الإله في اسم المحيط.

حكام ثلاثة
وهنا يفرق طه عبد الرحمن بين ثلاثة أنواع الحكام:
1- الحاكم الطاغية الذي تستحوذ عليه الرغبة الجامحة في التسيد الكلي مستعبدا الناس بالقهر والغلبة.
2- الحاكم المستبد الذي يجعل تسيده فوق القانون منساقا لأهوائه وشهواته.
3- الحاكم المحيط الذي يرتقي بتسيده المطلق إلى رتبة التأله الأوحد فهو السيد المطاع الذي لا يشاركه في ملكه أحد، والقائد المعصوم الذي لا ينازعه في قراراته أحد، مقيما طقوسا احتفالية دورية تغري الجماهير بالافتنان بشخصه إلى حد عبادته، وهم في ذلك يطمعون أن يتسيدوا بدورهم على من دونهم، فنجد أن كل واحد من الجمهور يمارس في إطار المسئولية التي أنيطت به ولو قل شأنها سيادة مرسلة بلا مشارك ولا منازع كأنما القيادة عدوى تنتشر في كيان الدولة وكأنما رجالها عبيد أسياد "كبار صغار الموظفين- أنصاف الآلهة".

العبودية الطوعية
لينتقل طه عبد الرحمن بعد أن وصف سيكولوجية الحاكم المتأله وكيف يتماهى مع ألوهية وحدانية الله إلى محاولة تفسير سلوك الجماهير التي تخضع لهذا الحاكم فيتحدث عما أسماه العبادة الطوعية، وهو كون الإنسان يختار من تلقاء نفسه أن يكون عبدا للطاغية راضيا ومستمتعا بخدمته، ليطرح تساؤل الفيلسوف الفرنسي "إتيان دو لابويسي" كمدخل لشرح هذا المفهوم فيقول الفيلسوف الفرنسي:

"كل ما أرغب فيه أن تفهموني كيف يمكن لهذه الكثرة من الناس والمدن والأوطان أن تتحمل أحيانا كل شيء من طاغية واحد وهو لا يملك من القوة إلا ما يُعطى، ولا من سلطان للأضرار بهم إلا على قدر ما يريدون الصبر عليه، وما كان يستطيع أن يلحق بهم أذى لولا أنهم يؤثرون احتمال كل شيء منه على أن يعارضوه في أي شيء، إنه لأمر عجب أن نرى آلافا مؤلفة من الناس يستعيدون أسوأ استعباد رازحين تحت النير لا لأنهم قهروا بقوة عظمى ولكنهم لأنهم افتتنوا بالاسم وحده لواحد كان ينبغي ألا يخشوه مادام وحده لا أن يحبوه مادام فظا غليظ القلب على الجميع". لتكون الخلاصة أن المتعبد الطوعي متعبد في الظاهر متسيد في الباطن.
 

حب التسيد يولد في الفاعل السياسي شهوات ورغبات لا تزال تشتد وتتكاثر فيورثه صفات وسلوكيات لا تزال تتشكل وتتغير وهو يسمي هذه الشهوات والصفات بألقاب تغطي على حقيقتها الدنية كأن يسمي حب التسيد إرادة التدبير

أطغاء الطاغية
لننتقل طورا جديدا في فهم سيكولوجية الجماهير الخاضعة فنعلم أن الإطغاء ليس مجرد الافتنان بتسيد الطاغية وإنما هو دعوة صريحة مستمرة من الطاغية إلى نقل التعبد إليه دون سواه -أي نقل التعبد من الله إلى الطاغية-، ويغري الطاغية الجماهير بأن يطمعهم أنهم يمكن أن يصبحوا آلهة مثله يتسيدون على من دونهم، وفي الحقيقة أن عبوديتهم الطاغية تزيدهم عبودية مهما توهموا أنهم أحرار بطغيانهم على من دونهم.

شهوات وصفات المستبد
إن حب التسيد يولد في الفاعل السياسي شهوات ورغبات لا تزال تشتد وتتكاثر فيورثه صفات وسلوكيات لا تزال تتشكل وتتغير وهو يسمي هذه الشهوات والصفات بألقاب تغطي على حقيقتها الدنية كأن يسمي حب التسيد إرادة التدبير.. والطاعة لسلطانه باسم احترام القانون وتنزيه شخصه باحترام المقدسات.

لتتمكن أرذل الشهوات والصفات بالتفاعل السياسي فمن الشهوات: حب الظهور وحب الشهرة وحب الجاه وحب الثناء، ومن الصفات: الطمع والجشع والغرور والأنانية والكبرياء والعجب والنفاق والكذب والحسد والحقد والوقاحة والإغراء والاستهتار بالقيم، ليصبح العمل السياسي مجالاَ خصبا للتصرفات المعلولة.

حتى اضطر بعض الذين خبروا السياسة من داخلها ووقفوا على أسرار التسلط فيها إلى الإقرار بتأسيس بنائها على هذه السلوكيات غير الأخلاقية مع التبرير لها بدعوى الواقعية السياسية، بل ونصح الحكام بهذه السلوكيات المنحرفة بحجة الحكمة التدبيرية لكي يضمنوا حفظ ملكهم ودوام تسيدهم.



حول هذه القصة

ناقشت حلقة “في العمق” فشل معظم خطط التنمية العربية، وتساءلت: هل يقف الفساد والفشل الاقتصادي خلف أزمات المنطقة؟ ما علاقة التنمية بالحرية والاستبداد؟ وما هو السبيل إلى مستقبل عربي أفضل؟

5/9/2015

شكلت أولى جلسات الاستماع العلنية لشهادات الآلاف من ضحايا الاستبداد في تونس، فسحة للوقوف مع المعذبين والذين تعرضوا للاستبداد، وإعلاء الصوت الشعبي ضد المستبدين والراغبين بهذه الممارسات “اللاإنسانية”.

18/11/2016

يمكن تلخيص فكرة المقال برسالة متخيلة إلى الحكام صادرة من الشعوب، بلغة شركة الاتصالات: عزيزي الحاكم: بخصوص الباقات السياسية التي تستخدمونها، نود إعلامكم بأنه تقرر وقف العمل بـ”باقة الاستبداد اللامحدود”.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة