علموا أولادكم حب كل أرطغرل

إن الدراما والقصص التاريخي له في نفوس الشعوب بالغ الأثر وعظيم التأثير، حيث إننا بحكم البيئة والنشأة لم تُبصر أعيننا واقعا يحكي نصراً، أو موطنا يشهدُ عزةً، لذا تميل النفس بطبيعتها إلى أن تجد ضآلتها في البحث والتنقيب عن مواطن النصر المفقودة، وعن البطل الغائب، والجندي المجهول، ولكن مع ذلك تجد أن عمليات البحث هذه لا يُجيدها كثير من أبناء أمتنا، فكانت سَلوته في متابعة الأعمال الفنية، حيث تقرب الصورة، وتقدم المعلومة التاريخة في سياق فني محاط بحبكة درامية وروائية، وصياغة لغوية تتدرج من الركاكة أحياناً إلى الفصاحة، بحسب قوة الإنتاج وقدرة المؤلف والمخرج والممثل على الإبداع.

كما أن المتابع للدراما التركية وتأثيرها في الإعلام العربي ومجتمعاته، ستجد أنها تحولت من مجرد عمل فني محدود، إلى صناعة حالة متميزة وفريدة، تستطيع أن تُسوّق للدولة التركية وأفكارها وقِيَمِها، بل وحتى صناعاتها، في الوقت الذي يعبث الإنتاج الفني للشعوب العربية بالعقول، من خلال طرحة لقضايا سطحية، وأفكار همجية، وحرب عصابات، وفُحش جنسي يقتحم بيوت الملايين من أبناء الأمة دون رقابة أو تنقيح.

لذا ليس من الغريب أن تستقبل مجتمعاتنا العربية بجميع فئاتها تلك الأعمال التركية المتنوعة بالقبول، لما فيها من حبكة درامية، وتسلسل واقعي للأحداث، ومنطقية في العرض خالية من الغلو والتجاوز المفرط، وخاصة تلك الأعمال الفنية التي تناولت التاريخ بشكل عام إسلامي كان أو سياسي وتطورت معها أيضا جودة تلك الأعمال عبر إنتاج فني ضخم، إلى أن وصلنا إلى "قيامة أرطغرل"، ذلك العمل الفني الذي لفت أنظار العالم العربي والإسلامي، لما يقدمه من قيم أخلاقية، ومفاهيم تربوية، ومعان إسلامية، وأفكار حضارية، في سياق درامي مبدع، كما يعرض كذلك حقبة تاريخية هامة مهدت لخلافة إسلامية استمرت أكثر من 800 عام.

ستجد في أرطغرل قيمة إكرام الضيف وأن له مكانة فوق الرؤوس، ستجد احترام الكبير وبر الوالدين ولو اختلفت الأراء، ستجد الأخوة بالصحبة هي والأخوة بالدم سواءً بسواء، ستجد صلاة وذكرا وجهادا.

قيامة أرطغرل هو العمل الفني الأعلى مشاهدة في العالم، حيث يُعرض المسلسل في روسيا وإيران وباكستان ورومانيا والبوسنة والهرسك وبلغاريا واليونان والمجر وأندونيسيا وكرواتيا وإسرائيل وليتوانيا وصربيا ولوفينيا ومقدونيا وقطر وجورجيا والبانيا وأذربيجان وبنغلاديش وغيرهم.

قيامة أرطغرل ليس مجرد عمل فني كغيرة من الأعمال الفنية بل نموذج مُوجه ومُهدف لصناعة دراما تساهم في تنمية قيم المجتمع، وإذكاء روح الحرية والتعاون بين أفراده، وكيف لا؟ وقد نزل ملايين الأتراك لشوارع تركيا للتصدي لمحاولة الانقلاب الفاشلة على أنغام موسيقى ذلك المسلسل، بل يستقبل ملك البحرين الرئيس التركي ليس فقط بالنشيد الوطني لتركيا بل كذلك بتلك المقطوعة الموسيقية التي تصاحب حلقات قيامة أرطغرل، وفي الاستفتاء الأخير في تركيا يحتفل الأتراك بالنصر على أنغامه كذلك.

قيامة أرطغرل ذلك العمل الذي جاء كرد قوي على مسلسل حريم السلطان الذي شوه صورة الخلافة الإسلامية وحصرها في حالة من الترهل، وغياب القيم، وفقدان الهوية، حيث يعيش السلطان في حالة من العبث واللهو الذي أدى في نهاية المطاف إلى سقوط الدولة وضياع الهيبة، فجاء قيامة أرطغرل ليقول للعالم ليس هذا هو تاريخ أجدادنا، وما هكذا كانت تدار دولة الخلافة العتيقة، فالهوية الإسلامية كانت حاضرة وبقوة، ومفهوم الجهاد ضد المغول والصليبيين كان الغالب في نفوس الناس، وأن الدولة العثمانية كانت صورة مشرفة ولوحة مشرقة في تاريخ الإسلام والمسلمين.

ستجد وأنت تتابع قيامة أرطغرل كل ما ترنو إليه نفسك لتراه في عمل درامي فني، فكل مشهد من مشاهد هذا العمل تستشعر فيها إخلاص القائمين عليه، بداية من تتر المقدمة، وموسيقى الخلفية، وتصوير المعارك، ومونتاج الحلقات، وإخراج العمل، وتفاصيل الرواية، ستجد وأنت تشاهد حلقات المسلسل التاريخي قيم الإسلام العظيمة متجسدة في قبيلة الكايي التركية، حيث قيم حب الوطن، والصبر على البلاء، والتوجه إلى الله وحده، وأن الله هو الناصر العزيز، ستجد قيمة إكرام الضيف وأن له مكانة فوق الرؤوس، ستجد احترام الكبير وبر الوالدين ولو اختلفت الأراء، ستجد الأخوة بالصحبة هي والأخوة بالدم سواءً بسواء، ستجد صلاة وذكرا وجهادا ودعوة وقرآنا وسياسة، وكأن كاتب العمل ومخرجه يريدان أن يرينا الإسلام كما يجب أن يكون.

قولوا لمن يقول بأن قوتنا لا تكفي! أن إيماننا يكفي، ومن يقول إن عقولنا لا تكفي! إن كفاحنا سيكفي، قولوا لمن يقول إن العالم لن يكون لكم! إن الله يكفينا.

ستصاب حتماً بحالة من الذهول يصاحبها حالة من الانبهار وأنت تشاهد انقلابا عسكريا مكتمل الأركان، يقوم به "كورت أوغلو" وزير دفاع القبيلة، ليستولي على الحكم، ويضع الرئيس المنتخب في السجن تمهيداً لنفيه ومن ثم اغتياله، وكيف أفشل المواطنون الأحرار تلك المحاولة وأعادوا رئيسهم المختطف مرفوع الرأس، في رسالة واضحة لمن لم يتعلم الديمقراطية، كيف يكون إسقاط الانقلابات العسكرية بالوعي والحكمة قبل العنترية الفارغة والعجلة، فقيامة أرطغرل نجح فيه الأتراك في توجيه رسائل واضحة المعالم لكل من أراد أن يتعلم أنجح طرق الحكم والإدارة للمجتمعات الإنسانية كما نجح في تفزيع الناس من فوضى الانقلابات العسكرية.

ستجد وأنت تتنقل بين الحلقات والأجزاء قيمة المرأة الأم والأخت والزوجة والمرأة العائلة العاملة، ستجد "الأم هايماه" أما للقبيلة كلها، تفرح للجميع ولو في قلبها ألف حزن، وستجد "السلطانة حليمة" زوجة تقف خلف زوجها تقتحم معه معارك الحياة بصبر وعزيمة، ستجد كل نساء القبيلة العاملات بصناعة السجاد هم رأس مال القبيلة وتاج رؤوسهم.

ستجعلك الحبكة الدرامية والسياق الفني للمسلسل تبكيك وتضحكك أثناء الحلقات، فتبكي وأنت تشاهد موت قائد قبيلة الدودوغا "توتكين" وزوجته المخلصة "جوكتشاه" على يد نويان قائد المغول، وبعدها ستضحك حتى النهاية وأنت تشاهد بامسي ألب ذلك المقاتل الشجاع الذي يحمل قلب العصفور يهيم شوقاً في هيلين بنت تكفور حاكم قلعة كارجيسار الصليبية ثم يتزوجها بعد أن تصبح حفصة وتدخل في الإسلام.

وأخيراً تابعوا قيامة أرطغرل وعلموا أولادكم حب كل أرطغرل، وليكن نواة للبحث والاطلاع على تاريخ الأمة المشرق، علموا أولادكم أن الحق هو الله، وأنه لا غالب إلا الله، وأننا خُلقنا على هذه الأرض من أجل الحب، وغايتنا هي حب الله، فمن تخلص من أنانيته فالله هو حسيبه، علموهم أن الجهاد منا والنصر من الله، وأنه لا خوف لأحباب الله في هذه الدنيا، الذين آمنوا بالله وتراجعوا عن مواجهته أولئك لهم البشرى في الدنيا والآخرة، علموهم الشجاعة وأن يكونوا مثل يوسف لا نخاف أن نموت في البئر، وأن دورنا أن نحافظ على النظام الإلهي وننشر العدالة في شتى اتجاهات الأرض، قولوا لهم كما قال "بن سليمان شاه أرطغرل" قولوا لمن يقول بأن قوتنا لا تكفي! أن إيماننا يكفي، ومن يقول أن عقولنا لا تكفي! أن كفاحنا سيكفي، قولوا لمن يقول بأن العالم لن يكون لكم! أن الله يكفينا.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة