سببٌ طريف من أسباب نشر الكتُب في حضارتنا!

نلحظ في تاريخ التراث الإسلامي ظاهرة فريدة طريفة للغاية وهي طلب الجماهير أو عموم القرّاء من العلماء إفراد مؤلفات لاستجلاء بيان بعض القضايا التي لم يقفوا لها على إجابة تشفي غليلهم فيها، وهذا الطلب إنما يتبدى من خلال مقدّمات الكتب والمؤلفات التي نلحظُ فيها أن المصنّف أو المؤلف يوضّح أن كتابه هذا كان بطلب من بعض الناس أو عموم الناس، وهي ظاهرة قديمة قدم التصنيف في التراث الإسلامي.

وهذا اللون اللطيف من التأليف في سياق التراث الإسلامي نفهم من خلال سبر أغواره هموم الجماهير في الحضارة الإسلامية، ماذا أحبوا؟ وماذا أرادوا أن يعرفوا؟ وكيف نظروا إلى المشكلات المعرفية في عصرهم؟ وما هي المستجدات العلمية والتصنيفية التي توالت على مرور السنين والأيام من عُمر هذه الحضارة؟

وهذه أمثلة وشوارد وقعت أمامي فأحببتُ أن يقف عليها القارئ الكريم، ليعلم أن السياق التأليفي في الحضارة الإسلامية لم يكن سياقًا نخبويًا محضًا، يكتب المؤلف فيه ما يعنّ له دون اهتمام بواقعه، وبطلبات الجماهير، بل كانت هذه المؤلفات بنت البيئة والهموم الثقافية التي على إثرها نهض العلماء في تأليف هذه الكتب، وهو لون على أية حال بحاجة إلى مزيد بحث، لنعرف من خلاله اتجاهات الرأي العام العلمي والثقافي في حضارتنا، وأسباب تشكّل هذه الاتجاهات. 

• الأديب البارع الجاحظ (ت 255هـ) يستهل كتابه "البخلاء" بردّ على صديق طلب منه أن يُحدّثه عن البُخل ونوادره، يقول: " تولّاك الله بحفظه، وأعانك على شكره، ووفقك لطاعته، وجعلك من الفائزين برحمته. ذكرتَ، حفظك الله أنك قرأت كتابي في تصنيف حيل لصوص النهار، وفي تفصيل حيل سرّاق الليل، وأنك سددت به كل خلل، وحصّنت به كل عورة، وتقدمت، بما أفادك من لطائف الخدع، ونبّهك عليه من غرائب الحيل، فما عسى ألا يبلغه كيد، ولا يجوزه مكر. وذكرت أن قدر نفعه عظيم، وأن التقدم في درسه واجب. وقلت: اذكر لي نوادر البخلاء في باب الجد، لأجعل الهزل مستراحا، والراحة جماما".

تاج الدين السبكي (ت 771هـ): يُطلبُ منه تأليف كتاب عن كيفية رد النعم التي سُلبت من العبد: قال رحمه الله: "ورد عليّ سؤال مضمونه: هل من طريق لمن سُلب نعمة دينية أو دنيوية، إذا سلكها عادت إليه، ورُدّت عليه؟ فكان الجواب: طريقهُ أن يعرف من أين أتى فيتوب منه.

• الخليفة العباسي المستظهر بالله يطلب من الإمام أبي حامد الغزالي (ت 505هـ) كتابة كتاب في الرد على الباطنية وكانوا قد استشروا في القرن الخامس الهجري يقول: "خرجت الأوامر الشريفة المقدّسة النبوية المستظهرية بالإشارة إلى الخادم في تصنيف كتاب في الرد على الباطنية مشتمل على الكشف عن بدعهم وضلالاتهم وفنون مكرهم واحتيالهم واستدراجهم عوام الخلق وجُهّالهم وإيضاح غوائلهم في تلبيسهم وخداعهم … بما يفضي إلى هتك أستارهم وكشف أغوارهم".

• صلاح الدين الصفدي ( ت764هـ) يُطلب منه تأليف كتاب عن العميان: يقول بعد مراجعته للفصول التي كتبها كل من ابن قتيبة (ت267هـ) في كتابه "المعارف"، وابن الجوزي (ت597هـ) في "تلقيح فهوم أهل الأثر"، وأحمد بن علي بن بانة في "رأس مال النديم" عن العميان وأحوالهم، بأنها لم تشفِ غلته، ولم تقنعه، ثم يقول: "وجرى يوماً في بعض اجتماعاتي بجماعة من الأفاضل ذكر فصل استطردت بذكره في شرح لامية العجم. ذكرت فيه جماعة من أشراف العميان، قال لي بعض من كان حاضراً: لو أفردتَ للعُميان تصنيفاً تخصّهم فيه بالذكر، لكان ذلك حسناً، فحداني ذلك الكلام، وهزّت عطفي نشوة هذه المدام، على إن عزمت على جمع هذه الأوراق، في ذكر من أمكن ذكره أو وقع إليّ خبره وسميته: نكت الهميان في نكت العميان وقد رتبته على مقدمات ونتيجة".

• تاج الدين السبكي (ت 771هـ): يُطلبُ منه تأليف كتاب عن كيفية رد النعم التي سُلبت من العبد: قال رحمه الله: "ورد عليّ سؤال مضمونه: هل من طريق لمن سُلب نعمة دينية أو دنيوية، إذا سلكها عادت إليه، ورُدّت عليه؟ فكان الجواب: طريقهُ أن يعرف من أين أتى فيتوب منه، ويعترف بما في المحنة بذلك من الفوائد فيرضى بها، ثم يتضرع إلى الله تعالى بالطريق التي نذكرها. هذه ثلاثة أمور هي طريقه التي يحصل بمجموعها دواء مرضه ويعقبها زوال علّته، بعضها مرتب على بعض لا يتقدم ثالثها على ثانيها، ولا ثانيها على أولها. فعاد إليّ السائل قائلاً: اشرح لنا هذه الأمور شرحًا مبينًا مختصرًا، وصِف لنا هذا الدواء وصفًا واضحًا لنستعمله. قلتُ: هذا سرٌّ غريب، جمهور الخلق لا يحيطون بعلمه، ونبأ عظيم أكثر الناس معرضون عن فهمه؛ لاستيلاء الغفلة على القلوب، ولغلبة الجهل بما يجب للرب على المربوب، وأنا أبحثُ عن هذه الأمور في هذا المجموع الذي سميته معيد النعم ومبيد النقم…".

كان تقي الدين البدري (ت 894هـ) أديبا رحالة أصله من دمشق وسكن القاهرة، ويبدو من شدة حبه لدمشق أن بعض أصدقائه طلبوا منه أن يكتب في وصف مدينته لهؤلاء الذين لم يروا دمشق، فأرادوا أن يقفوا على خبرها من رجل نشأ وشبّ فيها,

• ابن تيمية ( ت728هـ) يؤلف كتابه "منهاج السنة النبوية" ليرد فيه على بعض مؤلفات الشيعة التي نشرت في عصره، وكان حافزه على ذلك إلحاح الناس وطلبهم لذلك، قال: "إنه قد أحضر إلى طائفة من أهل السنة والجماعة كتابا صنّفه بعض شيوخ الرافضة في عصرنا منفقا لهذه البضاعة، يدعو به إلى مذهب الرافضة الإمامية من أمكنه دعوته من ولاة الأمور وغيرهم أهل الجاهلية ممن قلّت معرفتهم بالعلم والدين، ولم يعرفوا أصل دين المسلمين… فلما ألحوا في طلب الرد ذاكرين أن في الإعراض عن ذلك خذلانا للمؤمنين وظن أهل الطغيان نوعا من العجز عن رد هذا البهتان فكتبت ما يسّره الله من البيان وفاء بما أخذه الله من الميثاق على أهل العلم والإيمان وقياما بالقسط وشهادة لله كما قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)

• ابن القيم (ت 756هـ) يُسأل عن الحكم بالفراسة، فيجيب بكتاب ماتع: جاء فيه: " أما بعد فقد سألني أخي عن الحاكم أو الوالي يحكمُ بالفراسة والقرائن التي يظهر له فيها الحق والاستدلال، بالأمارات ولا يقفُ مع مجرد ظواهر البينات والإقرار، حتى إنه ربما يتهدّد أحد الخصمين إذا ظهر منه أنه مبطل وربما ضربه وربما سأله عن أشياء تدله على صورة الحال، فهذه صواب أم خطأ؟" ثم يُجيب ابن القيم على هذا السؤال بصواب تفاصيله، ويبدأ في عرض كتابه "الطرق الحكمية في السياسية الشرعية".

• كان تقي الدين البدري (ت 894هـ) أديبا رحالة أصله من دمشق وسكن القاهرة، ويبدو من شدة حبه لدمشق أن بعض أصدقائه طلبوا منه أن يكتب في وصف مدينته لهؤلاء الذين لم يروا دمشق، فأرادوا أن يقفوا على خبرها من رجل نشأ وشبّ فيها، يقول: "سألتَني أيها الأخ الأمجد، والحبيب الأسعد، العاشق في محاسن الشَّام على السماع، والمتشوق المتتوق إلى بديع مرآها، المشنّف ذكره للأسماع أن أعلّلكَ بخبرها لعدم العيان، وأن أقربها إليك بوصف يلذّه قلب الهائم الولهان، وهل أنا إلا قسيمك في الشوق والهيام، وحليفك في الحب والغرام؟!"



حول هذه القصة

قال قائد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب إن مقاتلي التنظيم لن يتركوا “جرائم أميركا تمر دون عقاب”، مشيرا إلى فشل إنزال أميركي بمحافظة البيضاء (وسط اليمن) أواخر يناير/كانون الثاني الماضي.

1/5/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة