تلبيس مقصود

من بدهي القول: أنّ المسؤولية الحضارية تقتضي أن يلتزم من يتولّى الكتابة في النطاقات الأدبية والثقافية بالأخلاق والوعي وإدراك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، بعيدا -وكلّ البعد- عن الانتصار للأيديولوجيات الفكرية والذاتية المقيتة، وأخص بالذكر هنا كتاب الرواية الجنسية أو الايروتيكية كما يحلو للبعض تسميتها، والذين يرتدون عباءة حرّية الإبداع ليبثوا شذوذهم وميولاتهم الجنسية في قالب أدبي اعتقدوا – واهمين-أنهم صنّاع حضارة بما كتبوا ويكتبون يليهم شعراء الجسد.

حول فكري أصاب هؤلاء المدّعين، فضاعت عندهم القيم الأخلاقية، وبارت المروءة، واندثر الحياء، وإنّك لتجد في طرح هؤلاء ما يصيبك بالغثيان، تلبيس مقصود وصريح للتمرّد على قيمنا الأخلاقية، هدفه المغالطة دفاعا عن كتاباتهم المريضة، ولئن كنت سائلا إيّاهم، ما سرّ افتتانكم بالجنس في روايتكم واشعاركم؟ فلن يملّوا القول: "حرية الابداع" فيكرّرونها على مسمعيك كرّا لعلّ الله يهديك كما هداهم!

وعلى الرغم من أنّ تراثنا العربي القديم لم يخل من الكتابة عن الجنس شعرا أونثرا؛ إلا أنّه لم يوظف بهذه الطريقة الإيروتيكية التي رأيناها ونراها عند هؤلاء -حتى في خمريات أبي نوّاس والبحتري- ومن كلا الجنسين نساء ورجالا، واللاّهثين وراء الشهرة وحبّ الظهور ولفت الانتباه، متّهمين مخالفهم ومعاندهم بالرّجعية والتخلّف والانغلاق. وإنّي أرى أنّ ما يميّز المتحضّر عن البدائي هو مدى تحكّمه في أهوائه وغرائزه فبأيّ منطق يحكمون؟

واستهداف الجنس في الكتابة الروائية من أجل الاستهداف، قد لا يضيف شيئا إلى الأدب كقيمة جمالية فنّية، بل قد يوقع صاحب الرّواية في الفشل الوخيم فتفيض روح الجمال فيها ليخلفه قبح.

إنّها الحداثة أو هكذا يسمّونها، وليتها كانت حداثة من إنتاجهم، ولكنّها من إنتاج غيرهم ممّن يسكنون وراء البحر ويدينون ديانة غير ديانتهم ويعتقدون اعتقادات غير اعتقاداتهم، وهذه مشكلة بعض مثقفينا العرب، حينما أرادوا أن يلبسوا ثوب الحداثة، وفتحوا الباب على مصراعيه لأفكار غيرهم دون رويّة أو تفكّر، لا شكّ ولا ريب فيها، واضعين نصب أعينهم (لكي تنجح اكتب وكن عرّابا للجنس ) ولا ينبغي إذ ذاك معارضتهم فهم الحقيقة تمشي على الأرض.

أمّا المعتدلين في طرحهم فيرونهم بعين النقيصة والتجنّي على حرّية الإبداع، ثم يرمونهم بالقول لستم حراسا على الأخلاق ولا أنتم دعاة، ألا ساء ما يحكمون! إنّ ما يصعب على هؤلاء أن يتقبّلوه، أو لنقل ما لا يريدون فهمه؛ هو أنّ المشكلة الحقيقية لا تكمن في تناول موضوع الجنس في حدّ ذاته -بعدّه عنصرا مهمّا في حياة البشرية قاطبة وهو أمر فطر عليه الانسان-،إنّما تعدّته إلى كيفية توظيفه داخل العمل السّردي.

فليس عيبا أن يتناوله الكاتب بطريقة إيحائية تخدم قالبه الفني والأدبي، متجنّبا الطريقة التصويرية، المشبوهة التي قد تدخلنا في عالم (الحيوانية البهائمية) إذ إنّ أغلب كتاب الرواية العربية يلجؤون عمدا إلى إقحام ثيمة الجنس في أعمالهم من أجل الاستعراض، ومحاولة الظهور والشهرة والتمرّد على القيم الاخلاقية والاجتماعية باحثين في الوقت ذاته عن ردّة فعل عنيفة اتجاه ما يكتبون.

واستهداف الجنس في الكتابة الروائية من أجل الاستهداف، قد لا يضيف شيئا إلى الأدب كقيمة جمالية فنّية، بل قد يوقع صاحب الرّواية في الفشل الوخيم فتفيض روح الجمال فيها ليخلفه قبح يسقط صاحبه في وادي سحيق، وصحيح أن للكاتب حرّيته في الإبداع لكن ليس من حقّه أبدا أن يمارس على القارىء عقده النفسيّة أو شذوذه الجنسي قبل الفكري بداعي حرّية الكتابة.

إنا الحديث عن الجنس يمثل انتهاكية فهووليد الانفلات المعياري أو السيولة المعيارية، حيث التحلل من كل قيمية اجتماعية أو دينية أو أخلاقية يحتكم إليها الفعل الإنساني، ومن ثمة فهو يعبر عن أزمة تتسمى بما بعد الحداثة، والبعدية في مجملها تأكيد لصيغة الانفلات من القيود المعيارية والأخلاق أحدها.

فالاتجاه نحو هذا النوع من الكتابة يؤكد رغبة في الدخول إلى المرحلة الجنينية الحلولية، حيث إنكار التجاوز/الإله في العالم والاحتفاء بلحظة كمونية يتحد فيها الجسد مع الإله ليصبح الإنسان عابدا لجسده مؤلها لذاته واحتياجاته البيولوجية، ومن ثمة يعبر عن هذه اللحظة برموز جنسية لا روحية أو إنسانية كما هو مفترض . وإن كان للأمر ما يبرره في الحضارة الغربية فإنه يطرح تساؤلا في البلاد الإسلامية حول إمكانية تسرب هذه الأزمة ومسببات هذا التسرب.



حول هذه القصة

قال قائد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب إن مقاتلي التنظيم لن يتركوا “جرائم أميركا تمر دون عقاب”، مشيرا إلى فشل إنزال أميركي بمحافظة البيضاء (وسط اليمن) أواخر يناير/كانون الثاني الماضي.

1/5/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة