بين العقيدة والفلسفة.. دعوة إلى العقيدة

ألف أبو حامد الغزالي كتابا بعنوان ( إلجام العوام عن علم الكلام )، ويقول فيه : "الحق أن علم الكلام حرام إلا لشخصين"، وهذا الجويني يقول محذرا: "يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ لما اشتغلت به" . وهذا محمد بن عمر الرازي ينشد فيقول: 

نهاية إقدام العقول "عقال" وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيلَ وقالوا
فكم قد رأينا من رجال ودولة فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علا شرفاتها رجال فزالوا والجبال جبال

فما الذي جعل هؤلاء الجهابذة الذين أفنوا أعمارهم في دراسة علم الكلام والفلسفة، ما الذي جعلهم يقولون هذا الكلام؟ الحقيقة لو نظرنا إلى المنهج القرآني والمنهج الفلسفي في تفسيرهما للقضايا الميتافيزيقية، لعرفنا سبب قولهم ما قالوا! حيث يختلف الدين عن الفلسفة اختلافا كبيرا، سواء في المنهج والمصدر والقدرة على التأثير والسيطرة.

غاية الفلسفة هي تعريفنا بالحق والخير ما هما، وأين هما؟ ولا يعنيها بعد ذلك موقفنا من الحق الذي نعرفه والخير الذي حددته. أما الدين أو العقيدة فيقوم بتعريفنا بالحق لا لنعرفه وحسب، بل لنؤمن به ونمجده.

تبدأ الفلسفة عادة من خلال دراسة النفس الإنسانية وجعلها الأصل الذي يبنى عليه، كما تعمل الفلسفة على جعل العلوم الحسية هي الأصل الذي لا يحصل علم إلا بها! كما يجعلون – المتفلسفين – الأخلاق مثل: العدل، والعفة من الفروع التي تفتقر للدليل. وأما المنهج القرآني، فقد جعل فاتحة دعوته هو الدعوة إلى عبادة الله وحده (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا اله إلا أنا فاعبدون ) فعبادة الله متضمنة لمعرفته وذكره. هذا من حيث المنهج.

وأما من حيث المصدر، فإن العقيدة هي وحي من الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. بينما الفلسفة هي "عمل أنساني" معرض للتأثر بالبيئة وهنا يقول (الدراز): "إن أساطين الفلسفة لم يستطيعوا أن يتخلصوا من التأثر بالبيئة فكانت تصوراتهم ومعتقداتهم فيها صدى كبير لما يحيط بها". وكذلك علق (العقاد ): "غلبت البيئة الوثنية أفلاطون على تفكيره بحكم العادة وتواتر المحسوسات، فأدخل في عقيدته أربابا، وأنصاف أرباب لا محل لها في ديانات التوحيد".

وأما في ما يتعلق بالتأثير، فإن العقيدة تمتاز بسلطان قوي على نفوس معتنقيها، على عكس الفلسفة وذلك لأن الفلسفة تبحث عن الحقيقة والمعرفة في ضوء القدرة والطاقة البشرية، فسقراط ذلك الفيلسوف الكبير يقول "الشيء الذي لا أزال أعلمه جيدا هو أنني لست أعلم شيئاً"!

ومن الفروقات التي لاحظها (دراز)، هو أن غاية الفلسفة هي تعريفنا بالحق والخير ما هما، وأين هما؟ ولا يعنيها بعد ذلك موقفنا من الحق الذي نعرفه والخير الذي حددته. أما الدين أو العقيدة فيقوم بتعريفنا بالحق لا لنعرفه وحسب، بل لنؤمن به ونمجده، ويعرفنا الواجب لنؤديه ونوفيه، ونكمل نفوسنا بتحقيقه.
ومن المقارنات ما بين العقيدة والفلسفة، تلك التي عقدها (أحمد أمين)، حيث يقول:

ذو الرأي يقول: إني أرى صوابا ما قد يكون في الواقع باطلا، وهذا ما قامت الأدلة عليه اليوم، وقد تقوم الأدلة على عكسه غدا، وقد أكون مخطئا فيه، وقد أكون مصيبا. أما ذو العقيدة فجازم بات، لا شك عنده ولا ظن، عقيدته هي الحق،لا محالة، وهي الحق غدا، خرجت عن أن تكون مجالا للدليل، وسمت عن الشكوك والظنون.

إن العقيدة تمتاز بسلطان قوي على نفوس معتنقيها، على عكس الفلسفة وذلك لأن الفلسفة تبحث عن الحقيقة والمعرفة في ضوء القدرة والطاقة البشرية.

ذو الرأي سهل أن يتحول وأن يتحور، هو عند الدليل، أو عند المصلحة تظهر في شكل دليل، أما ذو العقيدة فخير مظهر له ما قاله رسول الله عليه الصلاة والسلام: (لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي، على أن ادع هذا الذي جئت به ما تركته). والرأي سديم يتكون، والعقيدة نجم يتألق.

ذو الرأي فاتر أو بارد، إن تحقق ما رأى ابتسم ابتسامة هادئة رزينة، وإن لم يتحقق ما رأى، فلا بأس، فقد احترز من قبل بأن رأيه صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيره خطأ يحتمل الصواب، ذو العقيدة حار متحمس، لا يهدأ إلا إذا حقق عقيدته. والحقيقة أنه لا لقاء بين الفلسفة والعقيدة فهما مختلفان، سواء من حيث المصدر أو في التأثير والعطاء وفي البداية والنهاية والأسلوب.

والعقيدة الإسلامية لا تحتاج إلى فلسفة أيا كانت لتكمل الدين، فقد أكمله الله تعالى ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي)، فلا نحتاج إلى أن نوفق بين العقيدة والفلسفة، فالإسلام حق لا باطل فيه وغيره سواء كانت فلسفة أو غيرها – وأن كان بها حق – فهو مخلوط بباطل.  فالإسلام جاء ليهيمن على الحياة والأحياء، ويصحح المعوج من العقائد والأفكار.



حول هذه القصة

قتل 13 مدنيا بقصف صاروخي نفذته قوات النظام على بلدة عويجل بريف حلب، وفي ريف درعا قتل 11 مدنيا، معظمهم نساء وأطفال، وأصيب آخرون بقصف جوي للنظام استهدف تجمعا للنازحين.

1/5/2017

توفي صباح اليوم الممثل المصري الشهير مظهر أبو النجا عن عمر ناهز 76 عامًا إثر صراع مع المرض، حيث عانى من مشاكل في عضلة القلب أدت إلى مشاكل كبيرة بالكلى.

1/5/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة