بماذا يفيد إضراب الأسرى عن الطعام؟

هل حاولت يومًا أن تأكل الطعام دون ملح؟ هل حاولت أن تجعل من وجبة طعامك الرئيسة كل يوم قصعة ملح وكوب ماء؟ هل حاولت أن تعيش دونما أكل ودونما شرب ولو ليوم واحد؟ قبل أن تقول لي ماذا سيفعل الإضراب، جرب ما ذكرته آنفًا، وحتمًا ستعلم أن للكرامة طعمٌ ورائحة. أما ما ذكرته.. فهو طعم الكرامة؛ التي ما فتئت تلازم صمتنا، وطعم الإنسانية التي لم نعلم لها طعمًا منذ أعوام وعقود مرت علينا ونحن جثث هامدة تأكل وتشرب وتنمو.

وأما رائحتها فبالكاد تشتمها عند احتراق الطعام على موقد النار، عندما تتراقص طربًا منتظرًا نضج قالب الحلوى في الفرن، أو قدر الطعام الذي أعددته بكل اجتهاد ثم احترق واحترقت معه لذة الانتظار، وقتما كان يعيش ذلك الحر في بيته متنعمًا فرحًا بذريته التي لم تر سوى بضعة أيام من الحياة، فغافلتهم قذيفة الموت الملتهبة لتنهي أحلام والديهم، وبقيت رائحة الحريق ترسم معاني الكرامة على وجنتيهم، بين صبر وصمود.

الرائحة ذاتها والطعم ذاته، لكن مع فارق التوفيق في التعببر، بين كرامة الشهية وكرامة الحياة، فإن الذي يحيا الحياة عبثًا ما ذاق معنى الحرية أبدًا، ومع هذا كلِّه فإني لا أنقض الرأي الذي يقول بأن إضراب الأسرى في سجون الاحتلال لا يسمن ولا يغني من جوع، بلا شك هو لا يسمن ولايغني من جوع، لكنه يسمن من كرامة، ويغني من حرية.

إن الحرية للذي ولد حرًا هي أولى أسباب الحياة ومقوِّماتها، والكرامة أسماها، وإن الأولى من تقبل الحقائق، هو أن نغير الحقائق، ما دامت لا ترضينا، وأن نجعل الواقع كما نريد نحن، لا كما يريد الأقوى.

عندما تتحد المعاني في الألفاظ التائهة بين أمثالنا الشعبية والأساطير المنسية، يعود لنا الأسير بحلة جديدة، تتجمع فيها الألفاظ وتعيد ترتيب الكلمات من جديد، لتذكرنا أن الكرامة في كل شيء حاضرٍ من حولنا، فقد قيل فيما سبق: إن الجوع كافر، لكن ماعرفنا يومًا كيف يكون الجوع ثائرًا، يتمرد على قضبان الأسر ويعتلي أسقف الكرامة كلما اندثرت معاني الكرامة فينا..

إن أسرانا الذي يقبعون تحت وطأة الاحتلال الغاشم، لا تزال في جعبتهم الكثير من الرسائل التي قد كتبت بمداد من ملحٍ وماء، واولها أن الروح التي قد ترعرعت على أصوات القذائف لا تزال تقاوم، ولا تزال ترفض أن تتحكم في مأكلها ومشربها تلك الأيدي التي لطخت بدماء أبنائها وإخوانها.

عذرًا (ماسلو) فإن أسرانا قد قلبوا هرم الاحتياجات رأسًا على عقب، فليس أولى الاحتياجات كما قلت: "التنفس، والطعام، والماء، والنوم، والحس، والجنس…" ولا أسماها: "تحقيق الذات". 

إن الحرية للذي ولد حرًا هي أولى أسباب الحياة ومقوِّماتها، والكرامة أسماها، وإن الأولى من تقبل الحقائق، هو أن نغير الحقائق، ما دامت لا ترضينا، وأن نجعل الواقع كما نريد نحن، لا كما يريد الأقوى، فنحن الأقوى ما دمنا على قيد الحياة وما دامت لدينا إرادة، فكيف يستسيغ الطعام من لاحرية له وكيف يعيش المرء حرًا إذا أهدرت كرامته!

هذه غزة التي عرفناها يا سادة، لا تزال تعلمنا دروسًا ما بلغناها حتى يومنا هذا. فلا تحتفلوا بأعياد الاستقلال بعد اليوم؛ لأن نفوسنا لا تزال محتلة، ومازلنا لا نقوى حتى على تشريع أحكامنا بذاتنا، لا تحتفلوا بأعياد الاستقلال بعد اليوم فليس هناك جزء من وطننا العربي مستقل، سوى تلك البقعة التي تحتوي تفكير أسرانا، وأرضًا يطؤونها بكل شموخ وعزة نفس.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة