إلجام المفكرين

لا شك أن نظام الكون مبني على الحدود والقيود فكل ما نشاهده في العالم مقيد محدود وله إطار معين لا يتجاوزه وذلك لأن المحدودية ثقافة مشتركة في الكون كله. وهذا يظهر جليا بالملاحظة فانظر إن شئت إلى الجبال الراسيات وكبرها وحجمها وهيمنتها في نفسها ثم اصرف البصر عنها يمنة أو يسرة فإذا بها قد زالت عما تشاهده بالكلية؛ فهذا الجبل الشاهق العظيم يزول عما تراه بصرف البصر وكأنه لم يكن وانظر إلى الصبح إذا أسفر والأنوار التي تعم الكون كله صباحًا ثم انظر إلى الليل الذي يذهب بكل هذه الأنوار ليعم الكون هو بدلًا عن ضياء الشمس، فالنهار له حد ينتهي عنده كما أن الليل له حده الذي ينتهي عنده، وقس على ذلك سائر الكون.

والإنسان كله حدود كما أن الكون كله محدود، فكل إنسان لا يتجاوز ما خلق الله له من بشرة وكذلك بصر الإنسان لا يبصر إلا ما تصوره الحدقة ومثله سائر ما في الإنسان من طاقات فهي كلها محدودة مقيدة بالقيود البشرية. لكن الإنسان قد يطرأ على عقله ما يفسده فيظن نفسه قادرًا على ما لا يقدر عليه لا من قريب ولا من بعيد فيؤدي به ذلك إلى الطغيان وقد قال الله تعالى في كتابه: (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ) (أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ)، وهذا الطغيان يزيد وينقص حسب رؤية الإنسان لنفسه فكلما كَبَّرَ الإنسان نفسه في نفسه ازداد طغيانه. ثم إن المواهب التي يهبها الله للعباد تختلف، فما يحسنه هذا لا يحسنه ذاك، وما يقدر عليه زيد لا يطيقه عبيد. واختلاف الناس في المواهب أمر مشاهد حتى بين علماء الأمة وصلحائها كما يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة خطاط الأمة ابن البواب:

(قلت: الكتابة مسلمة لابن البواب، كما أن أقرأ الأمة أبي بن كعب، وأقضاهم علي، وأفرضهم زيد، وأعلمهم بالتأويل ابن عباس، وأمينهم أبو عبيدة، وعابرهم محمد بن سيرين، وأصدقهم لهجة أبو ذر، وفقيه الأمة مالك، ومحدثهم أحمد بن حنبل، ولغويهم أبو عبيد، وشاعرهم أبو تمام، وعابدهم الفضيل، وحافظهم سفيان الثوري، وأخباريهم الواقدي، وزاهدهم معروف الكرخي، ونحويهم سيبويه، وعروضيهم الخليل، وخطيبهم ابن نباتة، ومنشئهم القاضي الفاضل، وفارسهم خالد بن الوليد رحمهم الله). فيعلم من هذا أن الناس متفاوتون في المواهب البشرية والفتوحات الإلهية.

إن الجاهل بالشيء الذي لم يدرك ذلك الشيء على وجهه قد يظن أن ما أداه إليه جهله هو عين الحقيقة والصواب وذلك لقلة الصدق مع نفسه وقلة التواضع وعدم معرفة ما يقدر عليه وما لا يقدر أو تجاهل ذلك قصدًا

ومن المواهب ما هي كسبية ومنها ما هي وهبية وسواء كانت من هذا النوع أو ذاك فإن جميعها لا تتأتى لأحد في آن واحد وهذه سنة الله التي لا تتبدل. إذا فهمنا هذا فالمتعين على العاقل أن يلزم ما يحسنه وألا يهرف بما لا يعرف. فلا يتدخل الطبيب في صنعة الهندسة ولا المهندس في الطب ولا الكهربائي في الصيدلة وهلم جرا. وقد اعتبر الشرع هذا المعنى في التشريع فقد قال النبي ﷺ فيما أخرجه أبو داود والنسائي: (من تطبَّب ولم يُعلم منه طِبٌّ، فهو ضامن).

وهذا الذي اعتبره الشرع من ضمان المتطبب موافق بعض القوانين المعاصرة التي تجرم ممارسة مهنة الطب لمن لم يكن من أهله. وعقلاء الناس لا يعرضون أجسادهم للمخاطر بالتردد على المتطببين، والعقول السليمة لا تسوغ للمتطببين صنيعهم، لكن بعض العقول تغيب عنها هذه المعاني إذا كانت القضية قضية شرعية دينية، وذلك بتسلط الهوى وهيمنته على العقل ووسوسة الشيطان لمن كان هذا حاله. فنجد من لا ناقة له في العلم الشرعي ولا جمل يتطفل على مائدة العلوم الشرعية ومقرراتها باسم (التفكير).

وهذا اللباس، لباس التفكير والمفكرين، هو الذي يُلِبِّسُ به هؤلاء على عموم الناس في كثير مما لا يحتاج إلى جدل ومراجعة ونظر وتصحيح. ولعل من أسباب ذلك أن الجاهل بالشيء الذي لم يدرك ذلك الشيء على وجهه قد يظن أن ما أداه إليه جهله هو عين الحقيقة والصواب وذلك لقلة الصدق مع نفسه وقلة التواضع وعدم معرفة ما يقدر عليه وما لا يقدر أو تجاهل ذلك قصدًا، فإذا وصل بجهله إلى ما ظنه حقيقة أخذ في انتقاد تلك الحقيقة المزعومة التي أداه إليها جهله، فهو في الحقيقة انتقاد لجهله ولما أنتجه جهله من المزاعم وذلك اعتراف ضمني بالجهل. ولذلك نجد بعض هؤلاء إذا ألزم بالحجة من قبل المتخصصين تراجع قائلًا: (المتخصصون يجيبون عن مثل هذا، وأما أنا فمفكر أو باحث عن الحقيقة أو متسائل)، وهو في الحقيقة متعالم متطاول ومتطفل على موائد العلم والعلماء بغير حق ويجب أن يؤدب قانونيًا كي لا يعود لمثله كما جعل النبي ﷺ من تطبب ولم يعلم منه طب ضامنًا.

والعجيب بل الأعجب أن بعض هؤلاء الذين يتسمون بالمفكرين إذ لم يستحقوا لقبًا علميًا معتبرًا ربما يُعْرِضُوْنَ عن بعض المسائل الخاصة بالعبادات والمناكحات ونحوهما ويتجاوزونها إلى قضايا الأمة الكبرى قائلين بلسان الحال أو بلسان المقال: (نحن لا ننشغل بهذه المسائل فإن لها أهلها وأما التفكير فهو الذي نحن فيه). أفينقضي العجب من قوم بلغ بهم الجهل إلى أن جهلوا أن الشرع الحنيف لا يقتصر على العبادات والمناكحات بل يتجاوز ذلك إلى الآداب والمعاملات والقضاء والسياسة الخارجية والداخلية و إلى غير ذلك من المجالات؟

العقل البشري مقيد محدود فلا يمكن عادة أن يحسن الإنسان عددًا من التخصصات إحسانًا تامًا في آن واحد، فلو أن كل إنسان عرف ما يحسنه ولزمه لما حصل كثير من الخبط الذي نراه اليوم، ولكنها الأهواء!

ويذكرني هذا بما ينسب إلى عبد الرحمن بن أبى ليلى -رحمه الله تعالى- وهو يصف حال قوم تعالموا في زمنه مقارنا بينهم وبين الصحابة: (أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من أصحاب رسول الله ﷺ، ما أحد يسأل عن حديث أو فتوى إلا وَدَّ أن أخاه كفاه ذلك). ثم قال: (آل الأمر إلى إقدام أقوام يدعون العلم اليوم، يقدمون على الجواب في مسائل لو عرضت لعمر بن الخطاب -رضى الله عنه- لجمع أهل بدر واستشارهم). قلت: وقد آل الأمر في أيامنا هذه إلى أقوام لا يدعون العلم، إنما يدعون التفكير. ومع ذلك يخوضون في مسائل تعرض على علماء الشرق والغرب فتحيرهم. والغريب أن هؤلاء القوم الذين يتسمون بالمفكرين لم يفكروا يوما في أن الناس كلهم يفكرون فما الذي يميزهم عن سائر الناس إلا إذا أرادوا أن عدم التفكير هو حال الناس وأما التفكير فقد تميزوا به عن غيرهم فيكون في ذلك من الإساءة إلى الناس ما فيه ولا يبعد صدور مثل هذا عنهم، فإن من يتطاول على الشرع لا يبعد منه التطاول على الخلائق.

وكل ما سبق وصفه ناتج عن عدم التفكير في نظام الكون الذي يشترك فيه جميع أفراد الكون وهو النظام الذي قد وصفته في بداية المقال. فكل ما على وجه الأرض أو في الكون الفسيح فهو محدود بحدود خلقها الله ومقيد بقيود قدرها الله، وكذلك العقل البشري فهو مقيد محدود فلا يمكن عادة أن يحسن الإنسان عددًا من التخصصات إحسانًا تامًا في آن واحد، فلو أن كل إنسان عرف ما يحسنه ولزمه لما حصل كثير من الخبط الذي نراه اليوم، ولكنها الأهواء!



حول هذه القصة

شهدت الساحة الليبية على مدار الأشهر الماضية تحركات عدة للقوى الإقليمية والدولية لتسوية الأزمة الحالية بين طرفي النزاع، في ظل انسداد العملية السياسية وعدم تحقيق تقدم ملموس عقب اتفاق الصخيرات.

1/5/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة