أمعاءٌ خاويةٌ "ميّ وملح"

هيَ أيامٌ مرتْ وكأنها يومٌ أو بعض يوم، عن نفسي أقول استيقظتُ، وتناولت فطوري، خرجت إلى عملي، مارست العبث اليوميّ بالنظر إلى المتزاحمين بسياراتهم، أو الرّاجلين الساعين إلى أعمالهم، جلستُ على مكتبي أمارس الحياة اليوميّة ولا آبه للوقت، مرت ساعات الدوام، ثمّ عدتُ إلى البيت ومضى باقي اليوم ثمّ نمتُ وصحوتُ، ثمّ نمتُ وصحوتُ لأجدها انتهت خمسة عشر يوما!!

بدأ النصف الثاني من الشهر الأول، تساءلت كم هو طويل ذلك الوقت؟ وكيف أنّني لم أشعر به؟ تساءلت هل مرّت عليهم الأيام مثلي؟ أم كانوا يحصون عدد الدقائق بل الثواني؟ هل كانتْ دورة عقرب الساعة في دوامته سريعةً كما عندنا ليطوىَ علينا أياما بلغت نصف شهر؟! أمْ أنّه عجز عن الدّوران عندهم؟ هل كانت مجرد خمسة عشر يوما ومرتْ؟

حتى طبيبهم "الأسرى" هو سجانهم نفسه الذي يقطر عليهم من الدواء أقله، ويقتلهم في مستشفياته التي لا تصلح لبقاء أي كائن حيّ فيها! أفلا يحق لهم المطالبة ببعض حقوقهم؟

نَحنُ لا نحتاج للكلماتِ، الكثير منها نزف وما جف له منبع، وما يزال يسقي الجروح التي فُتئت في صدور الأسرى منذ اليوم الذي فرّق فيه بينه وبين حريته عدوّ جبان، فرّق بينه وبين أمّه وأبيه وصاحبته وبينيه وبيته، بينه وبين ساعات نومه واستيقاظه، والساعات التي يستطيع فيها حتى أن يغتسل! ويأكلّ، وبينه وبين الساعات التي يستطيع فيها أن يحرّك قدماه في "الفورة" ليمشي نصف ساعة وفوقه شبك من الحديد ربما تصله منه أشعة الشمس في ساعة من نهار، صارت السماء لديه مقطعة إلى مربعات صغيرة ينظر إليها من خلال هذا الشبك الحديديّ، والقمر سيكون من ذوي الحظ لو رآه!
 

صار يشتاق إلى أهله ليراهم إذا لم يكن ممنوعا من الزيارة بعد رحلة يقضيها الأهل سفرا عبر الصحراء لساعات، ثم ربما يُسمح لهم برؤيته لنصف ساعة كل شهرين أو أكثر، ثم إنّي سأحدثكم عن "البوسطه"، إنها كلمة وقعها صعبٌ على كل أسير! في ساعات الفجر يستيقظ الأسير على صوت طرق وسلاسلَ وجنود يكبلون أيديهم وأرجلهم ثم يوضعون في أقفاص حديدية، على مقاعد حديدية لينقلوا من سجن إلى آخر في رحلة عذاب تمارس ضد المضربين عن الطعام خصوصا ربما تستمر هذه "الرحلة" لثلاثة أيام!
 

إنّ أصعب الكلام الذي لا يقال، وما تزال الآلام والجروح تنزف من معاناتهم وتزيدها مرارة، فحتى طبيبهم هو سجانهم نفسه الذي يقطر عليهم من الدواء أقله، ويقتلهم في مستشفياته التي لا تصلح لبقاء أي كائن حيّ فيها! أفلا يحق لهم المطالبة ببعض حقوقهم؟ الجواب: لا، هذا ما قاله العدوّ لهم فما كان لنفوسهم الكريمة إلا أن تأبى الخضوع والذّل، وتربط على جروحها وآلامها وتواجه السّجان بأمعائها الخاوية!

يا أعزّائي منذ خمسة عشر يوما ما زالوا يبحثون عن ذرات ملح لم تسرقها يد السجان منهم، هم لم يشربوا إلا الماء إذا وجدوه! لم يشبروا قهوة الصباح، ولا تبادلوا الورد، ولا تذمروا لأن ثلاثة أصناف من الطعام لم تعجبهم، ولا لأنهم ذهبوا في رحلة سياحية إلى تلك المدينة في العام الماضي، ولا مارسوا عبث الكتابة على مواقع التواصل حتّى ملّوها! ولا احتاجوا لمنبهاتٍ توقظم ولا سابقوا الساعات ولا الأيام!

صرخ القيد لأنّه ظن في نفسه القدرة على كسر اللحم والدم الضعيف في جسد الأسير وما عرف أن النّور يملأ قلبه ويكسر القيد ويحطم الجدران ويملأ السماء!

تحدّث قيدٌ من الحديدِ لم ينلْ من عزم شيخٍ ولم يعرف يوماً كهذه الإرادة، سُمعتْ آهٌ من القيد وأنينٌ لامس جدارنًا فرّقتْ، حتى بين الأسرى أنفسهم لعلها ببعدها تضعف إرادتهم، ولم يصل صوت القيد لأذن إنسان وما لامس نخوته! صرخ القيد لأنّه ظن في نفسه القدرة على كسر اللحم والدم الضعيف في جسد الأسير وما عرف أن النّور يملأ قلبه ويكسر القيد ويحطم الجدران ويملأ السماء!

في زنزانة العزل الانفراديّ عتماتٌ تراكمتْ وظلُماتٌ أُدلجتْ وأبوابٌ أغلقتْ وأخبارٌ غُيّبتْ، ولكن رغم الألم والظلم تبقى أنت الصباح وتبقى أنت نور الصراط وشمس الحريّة ورمز المقاومة، تظل أنت من هزّ سجونا وما هاب قيدا فأنت منارةٌ أضاءتْ ليلاً طال، أنت من صغت المجد بأمعائك الخاوية وسطرته في الكون آياتٍ، فخاب عدوّك وخسر مرّرات، وستعاود عليه الكرّة بإذن الله، بماءٍ كان برداً وسلاماً لك قاتلتَ ومضيتَ لم تجدْ في طريقك أنيساً ولا رفقيا، ولكنّك مضيت فالروح لا تُأسر إيمانها لا ينضب وإنْ سرقوا منك الجسد! سينزف المحتل أمامك خيبته وجرحه بطعنات صمودك وإرادتك، وبالملح ستكوي قلوبهم الحاقدة!
 

على هامش الكلام سأضع هذه العبارة لعلّها تلامس قلوبا حيّة:
"يا أخي إذا لله، للحرمات، للأسرى لم تغضب!!.. فأخبرني متى تغضب؟!!"



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة