59 توماهوك

blogs الضربة الامريكية

بعد ست سنوات من لعب دور الوسيط، المتفرج أحيانًا والمتردد أحيانًا أخرى، تعود أميركـا فجأة لتضع يدها في الأزمــة السورية بشكل مباشر يثير التساؤلات ويزيد الموقف تعقيدًا. فبعد أن استبعد ترمب أثناء حملته الانتخابية إمكانية التدخل العسكري المباشر في الشأن السوري يعـود ليفاجئ الجميع بضربة عسكرية خاطفة على سوريا.

هذه "العربدة" الأميركية كانت كفيلة بجعل العالم بأكمله يتأمل ويحلل ويفسر ما حدث بشيء من الذهول بين مؤيد ومعارض، وبين متفائل ومتخوف من احتمال صدام مباشر بين الفيل الأميركي والدب الروسي. تسعة وخمسون توماهوك ضربت الأسد ولكنها حملت رسائل إلى "العالم" بحسب تعبير "شون سبايسر" المتحدث عن البيت الأبيض. 

فلمن كانت هـذه الرسائل وماذا حققت أو ستحقق؟
ترمــب أطلق تسعة وخمسين توماهوك ثم عاد لينام ملء جفونـــه "عن شواردها"، ليسهر الكـــون "جراها ويختصم".. لا نعرف ما يدور في خلد ترمب، فهل تحركت الإنسانية بداخله فعلاً، أم أنها مجرد حالة هيجان عارضة واستعراض للعضلات تمر وتنتهي كزوبعة في فنجان لكسب المزيد من الدعم الداخلي حيث لاقت الضربة استحسانًا من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. 

الضربة الأميركية، في تقديري، ترسل رسائل إلى إيران وروسيا ظاهرها بأن مرحلة المهادنة قد انتهت وحان الوقت لإعادة كتابة المعادلة في الأزمة السورية بحضور أميركي، إلا أن مدى التنسيق "الأميركي ـ الروسي" المعلن صراحة والذي سبق هـذه الضربات يوحي بأن هناك أبعد من ذلك. فقد يكون الدب الروسي يمهد لتقليص الدور الإيراني في سوريا على حساب الدور الأميركي في ظل تفاهمات إقليمية أو دولية بين اللاعبين الكبيرين. تصريحات موسكو اليوم بأهمية دور أميركا في حل الأزمة السورية والزيارة المرتقبة لوزير الخارجية الأميركي لموسكو الأسبوع القادم قد تميط اللثام عن إمكانية هذه الاحتمالات. البعض رأى بأن ما حدث ما هو إلا تمثيلية بين الدب الروسي والفيل الأميركي للتغطية على ما يدور داخليًا حول علاقات حميمة بين ترمب والروس ما يعطي لترمب دفعة داخلية إيجابيًا ولكنها في نفس الوقت لا تغير كثيرًا من المعطيات الميدانية على الأرض في سوريا. 

ربما كانت الرسالة الأهم من الضربات الأمريكية هي أن ما قد يصدر من البيت الأبيض اليوم لا يمكن توقعه، فكما كان دخول ترمب للبيت الأبيض غير متوقعًا ومفاجئــًا للجميع، فإن تصرفاته ستظل غير متوقعة ومفاجئة على المستويين الداخلي والدولي

أما في سوريا، فلا أعتقد أن تسعة وخمسين توماهوك ستكون كفيلة بأن تنهي معاناة الشعب السوري، فالأمر وأن كان مفاجئًا ويعكس تطورًا مهمًا وإيجابيًا للدور الأميركي إلا أن حجمه وتداعياته لازالت صغيرة وغير معروفة. فتأثير الضربة على الشأن السوري، سيعتمد عما إذا كان ما حدث هو حادثة منفردة ومعزولة أم أنها سيتبعها خطوات أخرى لتصبح مشروعًا متكاملًا من أجل وضع حل للأزمة السورية. 

كما لم يتوقع أحد هذه الخطوة فإن الخطوة الأميركية القادمة ستظل غير متوقعة كذلك. فهل سيتوقف ترمب عند هذه الخطوة بعد أن فرد عضلاته وبالتالي يكون قد حقق الشوشرة الإعلامية التي كان يرجوها، أم أنه يستمر في التصعيد حتى يتحقق له بعض الإذعان السوري بمساعدة روسية أو بدونها؟ أما الأسد، فبعد تسعة وخمسين توماهوك على قاعدة الشعيرات، يعود اليوم، في خطوة استعراضية، ليشن المزيد من الغارات على ريف إدلب ودرعا مستخدمًا أسلحة فوسفوية وقبائل عنقودية في تحدٍ واضح للخطوة الأميركية. 

أما الدول العربية، بعد قمة البحر الميت وبعد زيارة بعض قادتها لواشنطن حيث كان الانطباع السائد هـو أن ترمب سيركب على موجــة توافقية مع روسيـا في المنطقة وأنه سينتهج نهجًا داعمًا للحكام الشموليين بما فيهم الأسد، والسيسي، جاءت هذه الخطوة بشكل لا يتفق مع هذه التوقعات، ما قد يضطر البعض لإعادة حساباته. الرسائل متعددة، ولربما كانت الرسالة الأهم هي أن ما قد يصدر من البيت الأبيض اليوم لا يمكن توقعه، فكما كان دخول ترمب للبيت الأبيض غير متوقعًا ومفاجئــًا للجميع، فإن تصرفاته ستظل غير متوقعة ومفاجئة على المستويين الداخلي والدولي. 

وختــامًا، يُحكى أن دُبًـا وذئبًـا وابن آوى جاعوا فأغاروا على قرية للظباء وبدأوا في قتلها وافتراسها. غضبت النعاج في القرى المجاورة فقررت مساعدة الظباء المسكينة التي استغاثت بها. اجتمعت النعاج بالقرب من بحيرة صغيرة للتشاور، فأكلت وشربت ثم نامت حتى علا شخيرها وعندما استيقظت تعالى ثغاؤها وتشاجرت فيما بينها فانصرف كل لشأنه بينما استمر الذئب في افتراس الظباء. وفي الأثناء صادف بأن مر في الغابة فيل ضخم عطشان يبحث عن مكان ليروي ظمأه، فمر بقرية الظباء فرأى الذئب يفترس الظباء فركله برجله فأسقطه أرضًا ومضى حيث البحيرة ليرتوي. احتارت الغابة في أمر هذا الفيل الهائج ولم فعل ما فعل وما قد سيفعل: صفقت له النعــاج، شتمه الدب وابن آوى ونظرا إليه بامتعاض، أما الذئب فتركهم يتجادلون وعاد ليفترس الظباء من جديد.