نقاء قلب.. وأمان نبيل

مدونات رسالة

حينما شق الفجر الصادق بنوره حجب ظلام ذلك اليوم، كانت الرسالة الواردة صريحة المعاني، صادقة التوصيف، تمامًا كبقية شقيقاتها التي تتوافد يوميًا ضمن سيل المحادثات التي لا تعترف بتوقيت محدد ولا بأمد تنقضي عنده. لكنها هذه المرة مختلفة، ليست لأنها مجرد سطر من كلمات استطاعت تجاوزت عوائق الحدود ولم تلقِ بالًا لمسافات شاسعة بين مرسِل ومستقبِل؛ بل لأنها احترفت طريقة التلاعب بالمزاج والشعور لتحيلهما في آخر المطاف أسيرين أحكم الاشتياق قبضته عليهما، وعمل بجد على تقييد الفكر والجوارح عن مزاولة جانب من مهماتهما المعتادة.

ولعلّ الدكتور فوّاز اللعبون صاحب القلم المرهف الذي يوظف الشعور الناعم في معنىً جَزْل يحفه الجمال من كل جانب؛ كان يدرك أن بعض كلماته ستكون مشكاة إلهام، وجسر تواصل بين أفئدة تتوق على مدى الأيام إلى لقاء حتى لو كان عابرًا لا يستغرق الكثير من الوقت، فكان له ما أراد.
 

كثيرًا ما كانت زينب الغزالي وأمنية قطب وشقيقتها حميدة، وغيرهنَّ من الكواكب الدرّية التي تتزين بها سماء الفكرة؛ مُلهمات لها في الضراء، ومشكاة تقتبس منها في عتمة البأساء، ونورًا لامعًا يُبهج الناظر ويسلي عن النفس همّها وما غشاها من محن

كتبت رسالتها فجرًا فقالت: (ويسألونك عن النقاء؛ قل هو قلب أخت.. ويسألونك عن الأمان؛ قل هو نُبل أخ)، وإذا ببابٍ يُشرع للإياب صوب ماضٍ قريب وآخر له أمد، كلاهما مفعم بالنقاء الموصوف والأمان المنشود، فسَاحَ الفكرُ وشرد العقل، وانطلقت الروح سابحة بين أمواج الذكريات والأحداث التي طالما كانت بنّاءة في حياة اتسمت بالبساطة والعفوية رغم ما بها من وعثاء وشدة وشظف؛ حتى وصلت إلى حيث وُلدت فكرة تبنّيناها سويًا فنَمَت وأزدهر غراسُها وأينع فيها الثمر ووَرِف الظل وطاب.

تدرك صاحبة الرسالة جيدًا أن الطريق لم يكن يومًا مُعبّدًا، وأن مسار الفكرة ليس بمأمن من طوارق الزمن وعواصف الأحداث، وأن الظِلال لا تدوم على حال واحد، إذ سرعان ما تنتقل أو تتقلص أو تنجلي بالكلية، فلابد أن يؤوينا الابتلاء لنتذوق طعم الصبر، ونسعى بجهد وجد نحو المصابرة، فنتلذذ بالدعاء حين نطلب الفرج، وتغمرنا معاني الإيمان ونحن نستشعر معية البارئ اللطيف الخبير، فإن لم ننطلق في المواجهة من هذه القاعدة؛ تنّكرت لنا الفكرة وتبرأت، وأنّى يكون لنا ملاذ لو حلّ بنا هذا التّيه!

وكثيرًا ما كانت زينب الغزالي وأمنية قطب وشقيقتها حميدة، وغيرهنَّ من الكواكب الدرّية التي تتزين بها سماء الفكرة؛ مُلهمات لها في الضراء، ومشكاة تقتبس منها في عتمة البأساء، ونورًا لامعًا يُبهج الناظر ويسلي عن النفس همّها وما غشاها من محن، وإذا بها تصنع من ذلكم الإلهام قوة جعلتها صامدة محتسبة، تصارع عواصف الاشتياق، وتؤثر بقاء الفكرة حيّة على أفراح الروح وسلوة النفس؛ ولعمري إن الهمّ الذي يُبذل في سبيل تحقيق ذلك من شأنه أن يهد جبالاً، وإنه لجهد مضنٍ يعجز عنه كثير ممن أعرفهم يجعلون أنفسهم في مصاف الرجال.

في الجانب الآخر؛ لم يكن الحال كما هناك؛ فإنك إذ تبصر هذا المشهد ولا تقوى على اتخاذ إجراءك المعتاد تجاه من تحبه وتشتاق لمرآه كما كنت تفعل في الماضي حين يحل ظرف مماثل؛ لا يلبث حالك حتى يتدهور، وتحيط بالنفس أسوار من الانزعاج، وقضبان من الضيق والشدة؛ تحاول أن تنال من قلبك بمكر لتوهمك بالجزع، فتبدو على محياك أمارات الأسى، وتقيد سلوكك مكابح هي في الحقيقة موهومة وزائفة، وأنت تعرف جيدًا أنها لا تقوى على إحباطك؛ ولكنك في كل الأحوال ذو نفس بشرية تمرض وتضعف وتجري عليها سائر أحوال الدنيا.

ولأن الفكرة لم تزل وضّاءة، فإنها تمنحك ـ عندما تبرّها ـ جرعات من التفاؤل واليقين، ودروسًا في التعامل مع السنن، فترشدك إلى الطريق، وتدلك على الوجهة، وتضع سمو الأهداف بين عينيك مجددًا؛ ليبقى الأمل صامدًا. وفي هذا المقام ليس هناك من يستحق بجدارة أن تقف إجلالًا له؛ إلا ذلك الأخ الصادق ورفيق الدرب المخلص الذي يُتقن قراءة ما في عينيك من ضيق وانزعاج دون أن ينطق بهما لسانك، فيجعل من أبواب قلبه المشرعة سبيلًا لمحطة أمان تسكن فيها الروح، فتتنفس أملًا وتنتشي إيمانًا ومحبة.