في وحدة العناية الحثيثة

blogs خان شيخون

يقال أنَّ الحُلم يُولدُ مع الإنسان ومعه ينمو ويكبر، يجري فيه مجرى الدمّ، وعليه يتغذى الإنسان ليقوى ويشتدَّ عودُه، وما قيمتنا بلا أحلام ولا طموحات؟! فإن كنت بلا حُلُم فأنت بلا هوية، وقدرُك هو أن تفتِّش عن هذا الحلم وتبحث عنه، أو ربما يخبرك به أحدهم بصوتٍ خافتٍ في أذنك: ستصبح طبيبًا أو مهندسًا أو محاميًا أو أستاذًا أو شيئاً آخر، أما أنت فتنتقي ما يروق لطفولتك، وربما لك في ذلك قدوة، ولكنك كذلك قد تختار ما يسعد الناس ويدخل السرور لقلوبهم، فما زال قلبك نقيًّا طاهرًا، وإدخال السعادة لقلوب الآخرين يشعرك بأنك عظيم.

ميلٌ فِطريٌّ إنسانيٌّ يجعل الحقل الطبيَّ بكافة تخصصاته مرغوبًا بشغف، فمخيلاتنا امتلأت بالحروب والجرحى، بأولئك الأطفال مثلنا ولكنهم جوعى ومشردون، يغطي شَعرَهم الغبار وآثار الدمار، ولكنّ ما يُغطي شعورهم أكثر إيلامًا، أيقنوا حقيقة الألم صغارًا كما أيقنا حقيقة أن عصا هاري بوتر السحرية لن تنقذهم، فرحنا نبحث عن الدواء ونتمنى لو نستطيع إيصاله إليهم، أو نستطيع علاجهم، ولكننا مع ذلك لا نيأس، نخرج دفتر الرسم ونخرج ما كان حبيس الوجدان والخاطر لنرسمه على ورقة بيضاء كقلوبنا تمامًا، مستشفى وسيارة إسعاف ومعدات طبية ورجلٌ خارق يريد إنقاذ كل مريض وجريح، ودائمًا ما نختار نهايةً سعيدة ربما لم نجدها في حياتنا ولكننا نصنعها في كراس الرسم، فهو دائمًا يتسع لمن ضاقت بهم الحياة بل وحتى لمن ضاقت بهم أنفسهم، وكلنا أملٌ أن يصبح ما يدور في خواطرنا حقيقة.

يبدأ الأمر بالشفقة والشعور تجاه الآخر بالرحمة والعاطفة، وينتهي ببرود المشاعر على كل الأصعدة، فلم تعدْ تأبه لتلك المقاطع الحزينة التي يبكي لأجلها الناس، لم تعدْ تشتاق لأهل بيتك كما في السابق، يصيبك التبلُّد وتصبح عاجزًا عن التأثر

يرنُّ جرس إنذار آلة الطعام (الكانجارو) معلنًا عن نهاية الوجبة، وكذلك عن نهاية رحلتي في خيالاتي التي على ما يبدو أخذتني بعيدًا إلى طفولتي، حيثُ كانت البراءة تغلب عليّ، ولكنني الآن في وحدة العناية الحثيثة، أو المركزة أو المكثفة أو المشددة، أو في قسم الحالات الحرجة، تشابهتْ أسماؤها، ولكنَّها جميعًا ذات مدلولٍ واحد، مدلول يشبه الموت وكأنه قريب منه ويعرفه جيدًا، نشأت بينهما علاقة عبر سنين الخبرة وإحصاءات الطب الحيوي، ذلك المكان الذي لطالما رأيته محطة أخيرة في رحلة الحياة، وبداية النهاية، ذلك المكان الذي يدبُّ الرعبَ في قلوب ساكنيه ولكنَّهم بعد ذلك يألفونه ويعتادون عليه، كلُّ شيء في ذلك المكان معقد ودقيق جدًا، صحائفُ حساباتٍ عليها رقيبٌ عتيد أو هكذا يجب أن يكون، تُملأُ كلَّ ساعة وكأنَّها كصحائف الأعمال منها تعرف مآل الشخص ومصيره، آلاتُ أدوية دقيقة تدخل قطرات من سموم فتَّاكة إذا ما أُسيء ضبطها أو استعمالُها، ولكنَّها الترياق كذلك، وكأنك في مختبر أبحاثٍ عسكرية، السريَّة التامة مطلوبة، ولا يجوز إدلاء التصريحات بخصوص تلك الأسرار، فهي في غاية الأهمية لأن هذه الوحدة هي المحرك الأساسي لجسم المستشفى فقواعدها صارمة ومسؤولها حازمٌ جدًا وهو الرأس الثاني لتلك المؤسسة الصحية. 

ومع أن الإنسانية والمشاعر هي روح التخصصات الطبية، وهذا ما انعكس عليَّ عندما وطئت قدماي المستشفى لأول مرة فقد حزنتُ ورغبتُ كثيرًا في البكاء على حال البعض وإصاباتهم، ولكنني لاحظتُ أن المشاعر تتلاشى شيئًا فشيئًا في هذه الوحدة، يبدأ الأمر بالشفقة والشعور تجاه الآخر بالرحمة والعاطفة، وينتهي ببرود المشاعر على كل الأصعدة، فلم تعدْ تأبه لتلك المقاطع الحزينة التي يبكي لأجلها الناس، لم تعدْ تشتاق لأهل بيتك كما في السابق، يصيبك التبلُّد وتصبح عاجزًا عن التأثر بما حولك، فمفردة الموت أصبحتْ عاديّة، فهو لم يعد زائرًا فحسب، بل مقيمًا وله مكانه، وتنعزلُ على نفسك أكثر وتنحصر دائرة أصدقائك في مرضى وزملاء، وكأن هذه الوحدة تحدد لك مسار حياتك وتضعك في إقامة جبرية، تفقد فيها أحاسيسك رويدًا رويدًا، لم يعد يبكيك موت أحدهم، بل أصبح فرصة لتنظر كيف يموت وكيف تفيض روحه، لم يعد يعني لك الألمُ شيئًا.

من الصعب أن ترى الإنسان يتمسك بالحياة بكل ما أوتي من قوة، وأنت في كامل صحتك تنظر إليه، وكأن دورة الحياة تتلخص في ذلك الموقف، وكأنَّ أحلام الطفولة تلك شاختْ وهرمتْ، وها هي الآن في طور احتضارها، ذلك البطش والجبروت الذي امتلكته لم يعد يساوي شيئًا، ها أنت تركن لمن كان يومًا أضعف منك وأهون، تلك البكتيريا ترعبنا جميعًا، فتّاكة، قاتلة، الكل يخشاها واسمها يزرع الرعب في قلوب الجميع، هي أقوى منا جميعًا ومع أنها دقيقة ولا ترى بالعين المجردة، ولكن هنا موازين القوى تختلف، والغلبة لمن يقتلُ الآخرَ أولًا. 

ترى أمّا تبكي وأبا حزينًا وأختًا عاجزة وأخًا يداري حزنه، هكذا الناس على طبيعتهم، ولكنك حين تجدُّ الطاقم الطبي يضحكون، فلا تسئ الفهم، فقد وصلوا لمرحلة اللاشعور، اعتادوا مفردات الموت والمعاناة والاحتضار، صوت أجهزة التنفس وقياس الضغط والأكسجين ونبضات القلب موسيقى تألفها وتعتاد عليها، تسمعها حتى في منامك، تراها خيالاتٍ ترتسم أمامك، لم أتوقع يومًا أن السهر على عافية المرضى وصحتهم سيورث شعورًا باللاشيء، ولم أعلم يومًا أنَّ وحدة العناية الحثيثة ستحتلُّ كلَّ هذا الحيِّز من دماغي وستشغل هذا القدر من تفكيري، وكأنني أسمع الآن صوتًا داخلي يعترف ويقول: لسنا ملائكة الرحمة فحسب، بل قد نصبح ملائكة الموت كذلك.