عبيد المنظومة

blogs - office

يا نفحة من روح الملكوت الأعلى، أنت ذات عليّة، وبك مسٌ من ألوهية، في تسوية الطين الأولى، ونفخة استوجبت سجود المقربين الذاكرين، أفلا تنتبه لِما أنت عليه، أفلا تتفرد في الاستخلاف والإعمار، ما الذي يجعلك تستعذب الرّق المغلف بالمدنية؟ وأن تغدو حبيس نعمك الزائلة، ووهم الخوف من النائبات، وأنت على ما أنت، صنعة فريدة ما سوي منها آخرٌ غيرك، فما الذي أدخلك المنظومة وبت للسائد منها كوكباً سيّاراً يأتمر بقوانين الاقتراب والابتعاد ورب المنظومات قد حررك في الخلق الأزلي.

 

ألا تملّ من طوابير الهياكل المعدنية التي تسير بالجميع، إلى مقاصل البوابات الموصدة، لتثبت ذاتك ببصمة منك، وتظهر ولاءك ببطاقة تنطق عنك ولا تنطق. كم مرّةً لهثت في صباحك لتدرك التأخير المصيبة، أو الصحو العاجل المنهمك، ثم تُساق إلى منضدة يعلوها جهاز، ثم تسأل نفسك ألف مرةٍ، ما الذي أفعله هنا؟ 

 

كم مرةً عددت الساعات، لأن عددها لا فعلها هو الفيصل، وكم مرةً حملت هَمّ الخروج؟ كم مرةً تعثرت بحسابات كبح الانطلاق، ورواتب لجم التمرد؟ كم طلبت الإذن في حضرة من لا يسألك إذناً، وتعلق مصير تجربتك القادمة، بورقة ينقصها خطٌ متلوٍ وختمٌ ممهور؟ هل علمت أن التجارب لا تنتظر الإذن، ولا يهمها مكانك وزمانك وظرف منظومتك، هي لا تعطي ظهر الامتطاء إلاّ للخائض، وليس أي خائض.

 

نحاط بالمنظومات في جوانب حياتنا المختلفة، والذي ينبغي أن يحاكم هو علاقتنا بهذه المنظومة، وقدرتنا على تطويعها لرؤانا، إن كنا ممن يلقي السمع وهو شهيد، ولا يفرض عليك أحد طريقة تعاطيك معها ولا يملي خضوعك لها إلا بقدر ما تعطي من هذا الخضوع

هل رقبت تفلُّتَكَ المحموم من موضع عملك، لحظة أن دقّت الساعة لتأذن للجمع بالحل بعد الانعقاد؟ هل تساءلت في داخلك، هل فعلاً أحتاج أن أفعل كل ذلك باسم المنظومات، هل تجرأت على حساباتك وحاكمت المنظومة، وصرخت بها عيناً لعين، وتعاليت عليها؟ فلولاك ما كانت لتنتظم.

 

يا أيها المحتمي بهشاشة الاستقرار، وبرد اليقين، دون شكٍ لن تجازف ودون قلقٍ لن تنجز، فإن لم تتنكّب الطريق فلا تلمز السائرين، ولا تحاكمهم بناءً على ما يقوم من المنظومات، فقد كفروا بها منذ زمن، مُذ أن وضعوا أول قدم خارج المقعد الوثير واللقب المنمق على بطاقات التعريف، مُذ عرفوا معنى أن يمتلكوا روحاً تملأ عليهم التوق الذي في صدورهم. فنظروا لمنظوماتك المقدسة، نظرة المرحلة والاستبدال، نظرة العبور والتخلي، نظرة المتقدم الذي لا يلتفت. وأسسوا لما يليق بتوقهم من مفاهيم تدور في فلكهم ولا يدورون في فلكها، لم يبالوا بكل إرشادات الطريق فقد آثروا شق طريقهم، واستبدلوا الإتباع بالإلهام، والتقليد بالثورة، هم ببساطة خيوط رؤىً جديدة لم يكتفوا بتفسير الأضغاث من الأحلام.

 

نحاط بالمنظومات في جوانب حياتنا المختلفة، والذي ينبغي أن يحاكم هو علاقتنا بهذه المنظومة، وقدرتنا على تطويعها لرؤانا، إن كنا ممن يلقي السمع وهو شهيد، ولا يفرض عليك أحد طريقة تعاطيك معها ولا يملي خضوعك لها إلا بقدر ما تعطي من هذا الخضوع. نحن نعيش في نتائج الآخرين، الآخرين الذين لم يقتفوا أثر الآباء، ولَم يعيشوا في نتائج الآخرين غيرهم، هم فقط صنعوا سائدهم، وكفروا بالسائد عليهم، وحملوا نزق الثوار في كل جزئية، ولم يكتفوا بتمجيد من ثاروا، بل ساروا، ولما اصطدموا بالمنظومات القائمة، حاوروها نداً لند، وتَرَكُوا لعنة الظلام وضيق المنظومات لعبيدها، وما كلنا عبيد منظومة.