زحمة سير

blogs تاكسي

كسائق سيارة أجرة، أرى نفسي في وجوه كل الركاب، غريبٌ كيف يربط دماغنا كل ما نرى مع ذكرى ما، منذ الصباح مع بداية كل يوم جديد، وخلال كل الطرقات والشوارع المكتظة، كل مشهد يعود بي إلى إحدى الذكريات، كل ما أمر به يبني جسرا مؤقتا بين ماضي وحاضري، ويلج بخيالي في عوالم كبيرة لا يسعها الكون الفسيح، ويسعها خاطري، وتلك من طلاقة قدرة الخالق، أن جعل العالم الأكبر ينطوي في كيان البشر.

في نهج تلك السيدة الموقرة أرى أمي، بكفها الذي نال منه الدهر، ووجهها الذي ارتسمت عليه علامات الزمن، أراها مترددة في قطع الطريق، معذورةٌ، قضيتِ معظم وقتك في المنزل مع الأولاد، لم تختبري حياة الشوارع والأسواق، عافاك الله من شر المدن الكبيرة، أعطاك على قدر نيتك وأعطانا على قدر جشعنا.

لو تعلمين يا أماه ليس في البعد عنك ما يُثلج القلب غير ذكراك، في قمة حزني أو قمة فرحي، ترتسم في خيالي ابتسامتك كما عهدتها في تلك الليالي البيضاء التي قضيتِها معي في المستشفى، وسط كل ذلك الركام والأسى، كانت ابتسامتك تضيء غرفة ذلك الجناح المظلم، ويدك البيضاء النقية بنقاء قلبك تمتد إلى جبيني لمراقبة الحرارة، والكثير من التفاصيل التي نُقشت بداخلي لا أنساها، وينهمر الدمع بذكراها ليفسد الورق كل ما نويت الكتابة عنك، لكن لا تقلقي أنا بخير ما دمت أنت بخير.

أنتقل بنظري إلى ناصية الشارع، وكسائق سيارة أجرةٍ فضولي، أتساءل أين يمضي ذلك الرجل مسرعا، وأفتح موضوع نقاش مع نفسي، دون سابق انذار يَتخذ خيالي طريقا إلى ذكرى ما، تماما كما يشرد البال قبل النوم لا شعوريا في أفكار تُحاول جاهدا تفاديها والانشغال بفكرة أخرى أقل قلقا، أقل ضغطا، فيأبى إلا الخوض فيما يُزعجك، فتَقضي ليلة جديدة من الأرق راغما، وللأمانة أعظم النقاشات تلك التي أخوضها مع نفسي، وأعظمها يأتيني في ثلاثة مواقع: عند زحمة سير، أو عند المشي وفي هذا أقول طوبى للمشائين، أو عند الأرق.

بعد تلك المدة التي يقضيها المرء في البطالة، فترة فراغٍ يُصبح فيها كل شيء مظلم بلا طعم بلا لون، تحسب حينها أن تلك الحياة التي لم تأبه لك يوما، قد جُندت ضدك

عدت إلى سؤالي أين يمضي الرجل مسرعا، وربطت مباشرة الحدث بي، ككل إنسان عاقل، أتخذ نفسي مركزا للأرض، وأربط كل ما أرى بي، ولو أني في قرارة نفسي أعلم أن لا السماء تأبه لي ولا الأرض ترتعد لغضبي، وأن الشمس تطلع كل يوم من نفس المكان وتنصرف من نفس المكان، وأن السنة فيها تعاقب للصيف والخريف والشتاء والربيع مهما كان حال الدنيا، وأن هذا الكون كله حلقة كبيرة لا تنوي التغير يوما لأجل عيوني، ولا يسعني إلا التأقلم ولكني لم أتخذ بعد ذلك القرار.

ثم عدت إلى سؤالي أين يمضي الرجل مسرعا، فنَسجتُ خيطا بين خطواته الواثقة وبين أول أيامي في العمل، بعد تلك المدة التي يقضيها المرء في البطالة، فترة فراغٍ يُصبح فيها كل شيء مظلم بلا طعم بلا لون، تحسب حينها أن تلك الحياة التي لم تأبه لك يوما، قد جُندت ضدك، أذكر أني راسلت نفس الشركة بما مجموعه اثنا عشر مرة، بمعدل مرتين في الأسبوع إلى أن كُلِّلَ طلبي بموافقة، وبعد امتحانات عديدة ولجت عملا كان حلما وأصبح بعد سنوات مملا.

فجأة ظَهر وجه طفولي بريء، أنساني السؤال الوجودي الذي تاه فيه خيالي لبضع دقائق، عَرض علي شراء أدوات مدرسية، يبيعها بتفان ووجه بشوش، سمعته يسأل صديقه كم باع اليوم، وكيف كانت غلة اشارة المرور الجديدة، وانطلق يلهو ويضحك ملء فمه مع صاحبه، تساءلت كيف لا يلعن هذا الطفل الظروف كما يفعل أصحاب البذل الأنيقة وراء مكاتبهم ذات الرؤية البانورامية، وهو أحق بالسخط على الدنيا التي اغتالت طفولته ودفعته للعمل في هذه السن المبكرة، وسط ضجيج السيارات، تحت شمس الصيف وبرد الشتاء. طفلٌ يبيع أدوات مدرسية، تذكرت قول كاتبنا "أحلام الأطفال حلوى وهذه طفلة تبيع أحلامها"، قلت حينها: الدراسة حق لكل طفل وهذا طفل يبيع حقه.

برزتِ الإشارة الخضراء فانطلقتُ فارّا من نفسي ومن زحمة السير، فوجدت أن الرجل الذي كان يمضي مسرعا قد لَقِيَ حتفه في حادث سير، قلتُ في نفسي كان المسكين يمضي لقدره، والقدر اذا ضرب لك موعدا جعلك تسرع دون شعور، هيأك دون شعور، فلا داعي لمقاومته، واستعد لما بعده، لا لقائِه، ومضيتُ سائلا الله له الرحمة.

كثير منا يرى الناس ولا يرى فيهم إلا نفسه، يُسقِط كل ما يُهمهم وكل ما يَخصهم على حالِه، ويهيم في مقارنات لا حدود لها ولا طائل يرجى منها، الرسل والأنبياء وحدهم من اهتموا حقا بأممهم ورأوا في الناس جوهرهم، وأنكروا ذواتهم في سبيل الآخرين، يليهم الآباء، ويلحق بهم من جاهد نفسه لينحي منحاهم، وقليل ما هم.