جيل التسعينيات.. من أبكاهم الدهر دمًا حين نطق

blogs - blood syria

كان واردًا أن يكون أبطال قصتنا في مقابلة تلفزيونية واحدة، تجمع "سامي"، صاحب الطموح بحقيبة وزارة الخارجية، ومشروع الإعلامي المتميز "عبد الرحيم". لكن وكأن جيل التسعينيات ينطبق عليهم قول
"رُبَّ قومٍ قد غدوا في نعمةٍ .. زمنًا والدهر ريَّان غدقْ
سكتَ الدهرُ زمانًا عنهمُ .. ثُمَّ أبكاهم دمًا حين نَطَقْ".
نزلت الحرب كالصاعقة على جيل التسعينيات، الجيل الذهبي، أبطال عصر الانفتاح والتكنولوجيا والعولمة قبيل الثورة، النازحون والعاطلون عن العمل في دول الجوار بعد اندلاعها. لم يكن في حسبانهم أن تطول الحرب، فابن العشرين ازدادت سنواته ستًا دون أي إنجاز، فلا أنهى جامعته ولا وجد وظيفة تناسب قدراته، على أقل تقدير.

 

مشروع وزير خارجية

سامي، طالب كلية الحقوق اضطره الاعتقال للتوقف عند دراسته، رغم أن مادة واحدة كانت تفصله عن التخرج. ولدى خروجه من المعتقل بعد العام الأول من الثورة، اضطر إلى السفر تاركًا أربعة أعوام من الدراسة خوفًا على حياته، ويقول "لو ما بعرف لغات كنت شحدت.. اشتغلت بالترجمة بمصر، وبحكم أن المعيشة رخيصة قدرت دبر وضعي الحمد لله". شغف سامي ليخوض غمار الدبلوماسية السورية، كان وراء اختياره كلية الحقوق، ودراسته اللغات، فربما يكلّف مستقبلًا بحقيبة الخارجية، مثل فاروق الشرع، ابن محافظته "حوران." الشرع.. مهندس الدبلوماسية السورية لـ 22 عامًا، تنسب له أدوارٌ بارزة في اتفاقيات ومعاهدات وقعتها سوريا خلال فترة تكليفه، ذو كاريزما فريدة ومنطق يراه كثيرون وطنيًا، ما جعله قدوة لشريحة واسعة من الشباب المهتم بالشأن السياسي.

 

اضطر سامي بعد الحرب لزيارة بلدان عربية وغربية، قبل أن يحطّ أخيرًا في سويسرا، ليس كوزير خارجية أو دبلوماسي سوري رفيع، بل لاجئ يبحث عن توطين مؤقت، أو وطن بديل.

أنهى سامي عقده الثاني، وطرق أبواب الثلاثينيات، لكنه رغم ذلك عاد إلى مقاعد الدراسة في إحدى جامعات أوروبا، فدخل السنة الأولى في قسم "تعليم اللغة الفرنسية لغير الناطقين بها". تعرف الشاب على أشخاص من دول وثقافات مختلفة قبيل خروجه القسري من سوريا، ليضطر بعد الحرب لزيارة بلدان عربية وغربية، قبل أن يحطّ أخيرًا في سويسرا، ليس كوزير خارجية أو دبلوماسي سوري رفيع، بل لاجئ يبحث عن توطين مؤقت، أو وطن بديل.

 

الإعلامي بين الحلم والحقيقة

"كان المفترض أن أكون حاليًا على رأس عملي في القناة التي أحبّها، أو في جامعة كولومبيا في نيويورك، للحصول على ماستر في الإعلام"، يقول عبد الرحيم، الشاب العشريني اللاجئ حاليًا في إسطنبول التركية. "كما الأوطان تقتل الأنفس فاللجوء يقتل الأحلام والآمال"، يقول عبد الرحيم بابتسامة خفيفة تعكس حزنًا بدا ظاهرًا خلال سرد قصته لي "12 ساعة في معامل اسطنبول يوميًا، على مدار 24 شهرًا، تكللت أخيرًا بتسجيلي في كلية الإعلام في جامعة اسطنبول". انطفأت أحلام الشاب الذي أمضى 20 عامًا في دمشق، قبيل فراره إلى تركيا قسرًا، فترك كلية الإعلام بجامعة دمشق هائمًا على وجهه، ليعاني مرارة اللجوء "السكن كان سيئًا.. غربة وعمل وممارسة أدوار جميع أفراد العائلة في ظل غيابها".

فرط نشاط ثقافي، وصف أطلقه عبد الرحيم على وضعه قبل مغادرة الشام، إدمان على الندوات في المراكز الثقافية، قراءة كتب الآداب والتاريخ، وكل ما يصل إلى متناوله، تعلُّم التجويد لضبط مخارج الحروف، بحكم الفائدة المرجوة منها لدى وصوله إلى الشاشات، تجارب في تسجيل الصوت والدوبلاج والغناء، وغيرها من الأنشطة. "أركض أركض دون جدوى" يقول الشاب، مشيرًا إلى صعوبة التعلّم بلغة جديدة "الصفحة الواحدة بحاجة لأربع ساعات على الأقل كي أفهمها، وعند الامتحان من الصعب كتابة ما فهمته باللغة التركية، وفي المحصلة تكون نتيجتي صفرًا"، ويضرب مثالًا عما كانت عليه الحال في سوريا "أتصفح المادة وأحصد فيها معدلًا جيدًا دون جهد كبير".

ليست هي قضية سامي وعبد الرحيم فقط، إنما تختزل قصص آلاف الشباب من هذا الجيل، فاقدي الأحلام على اختلافها، مريدي معامل الخياطة والبلاستيك وأفران الخبز في دول الجوار، منهم من وقفت ظروفهم المادية حاجزًا أمام إكمال تعليمهم الأكاديمي، وآخرون فشلوا في دخول جامعات دول اللجوء لنقص أوراقهم الثبوتية، أما من وصل إلى مقاعد الجامعة، فلا زال يصارع اللغة والحياة ليصل.