جانب من ظلمـات الخداع

على مَرّ العُصور كانَ المُخادعُون والسَحَرة وَجْهَانْ لعُملةٍ واحدة فالسِر دَائماً يكمُن في أيديهم الخاوية ومدى عبقرية الحيل المُتقنة باحترافية شديدة والتي كانت دائما ما تنطلي على العَامّة من النَاس في خُضوع تَام، وحَقيقةً أسوأ ما قد يستهدفُ المرءُ يَوماً هو أن يتعرض للخِداع، فما إن يقع أحدهم في فخ المصيَدة ويجتذب الطُعم بنجاح فهُنا تكمُن نوائب الدهر ومصائبه. في حين أن المصائب التي تنتُج عن الخداع أو الاحتيال دوماً ما تأتى على غَفلةٍ مما يجعلها أشدُ فتكاً وتنكيلاً لاسيما إن احتجبت بَصيرةُ المرء عن الظُهور، فمن دون البصيرة فجأة يُصاب الإنسان بالعمى حتى وإن كان مازال يُبصر بعينيه، فمع بوادر غياب البصيرة يَعّمُ الضباب على مداخل ومخارج العقل ويتَلَبَّد الفِكرُ بالغَمام إلى أن تأزف الآزفة ويتعرض الإنسان للخداع دون وعى مُسبق ويُكن بالفعل قد فات الأوان.

لقد بات المُخادِعون ينتهجون طُرقاً مُمهدة وأساليباً مُنظمة في استقطاب ضحاياهم الأبرياء، وحقيقةً الأمر مُعقّد فكرياً خصِّيصاً لإنسان لا يتوقع الغَدر والخداع من شخص ماكرٍ يستتر برداء المحبة، حتى صار إفتكاك ما ينتهجه هؤلاء من شفرات خداعٍ أمراً مُعقداً للغاية.

"لقد حدث الأمرُ سريعاً".. غالباً هذه أول كلمات يتفوه بها كُلُ من تعرّض للخداع بشتّى صُوَرِهِ، ومن هُنا يتضح أن قُدرات المُخادع في الدقة والتخطيط المُسبق استثنائية ولا يترُك معه حظاً وافراً للصُدفة، فالخديعة مجرد حدث مُتسلسل من رسم بداياته أولاً هو من يقدر على تحديد ملامح وتفاصيل نهايته، فمع تصاعد وتيرة ذلك الحدث يكون المُخادع على إطلاعٍ مُسبق بالخُطوة المُقِبلة، حتى إذا ما قَرُبَتْ الشاه من فك الذئب ودَنَتْ النهاية، وقتئذٍ يكونُ عليلُ الصراخِ بلا شافعٍ ولا نصير!.
 

البداية تكمُن دائماً في إيجاد فكرة كالفيروس، مرنة، شديدة العدوى، ولكي يُتقن المُخادع فن الخداع يُلزم وجوباً عليه التنقيب عن ثغرة مُناسبة تُقرّب سُبل الوصال بينه وبين فريسته

" لا اُصدّق أن ذلك قد حدث معي".. ربما هي ثاني أكثر الكلمات شيوعاً بعدما يسقط أحدهم في بئر الخداع مُصَدّراً رايته البيضاء، فإن واتتنى الفُرصة دعني اُخبرك شيئاً رُبما يُعيد صياغة طريقة تفكيرك تجاه ما تغُض الطرف عنه احياناً. لا تُكن نظرتك عن الناس أنهم كالصَدَفة المُجوّفة فارغة تماماً من الداخل. قدّر كُل موقفٍ في حياتك حقّ تقديره والتَزِم الصمت كثيراً، فالأخير هو ما يُكسب الإنسان قُدُسية زائدة وبقاء تلك القُدُسية من عدمها يرتبط بلسانك وما يتفوه به من كلماتٍ. 

البداية دائماً هي أشد ما يعترض المُخادع أو المُحتال، فمن الصعب أن تخوضَ منتصف طريقٍ لا تعلم من أين يبتدأ وإلا فلن تصلْ لمُبتغاك في الأخير. البداية تكمُن دائماً في إيجاد فكرة كالفيروس، مرنة، شديدة العدوى، ولكي يُتقن المُخادع فن الخداع يُلزم وجوباً عليه التنقيب عن ثغرة مُناسبة تُقرّب سُبل الوصال بينه وبين فريسته.

قد تتشكل في ترتيب موقفٍ بحيث يكون موثّقاً بكافة حيثياته المُتوقعة في حين أن الضحية يفترض حُسناً أن كُل ذلك محْضُ صدفةٍ ولا يتراود على ذهنه أن المُحتال قد مكث ليالٍ طوالْ يُخطط ويُشكّل نسقاً فكرياً وخطوات احترازية تتلاءم بعناية بالغة مع طبيعة ذلك الموقف.  حتى إذا اقتربت ساعة الحسم هُنا يدرس المُخادع كافة تحرّكات الضحية مُتَحَصلاً على معلومات مثل اهتمامات الضحية، معرفة الأصدقاء المُقرّبين، كافة التحرّكات اليومية. كلها معلومات قد تكون بلا قيمة واضحة ولكن في منظور المُخادع يرى دوماً أن كُل معلومة دائماً ما يستتر ورائها ثغرة فقط إن تم استغلالها كما ينبغي.

المُخادع يُدرك تماماً أن الثقة أساس الخِداع ولذلك دائماً ما تكون طريقة تفكيره تجاه عامل الثقة شاذة عن المألوف.  فمع ترتيب اللقاء الاول ربما سيُتولّد عِنده ثبات داخلي ولكن مع هاجس اندفاعي لاكتساب ثقة الضحية وافتكاك كافة الشفرات الدفاعية المُتمركزة حول عقل الضحية بحلول نهاية اللقاء الاول.  في اللقاء الأول سيكون من يحتالُ عليك مَثَلُهُ كمَثَل الحِرباء المُتلونة ليس لها شاكِلة مُحددة، وبالمِثل تماماً سيُتقن المُخادع دوره ببراعة وسيستنسخ كافة أنماط شخصية الضحية بعد أن اجتهد سابقاً في دراسة كافة أبعادها حتى في الأخير يحوم الضحية بخيمةٍ عريضةٍ من الضباب الفكري أنَّكما شخص واحد ولا فرق بينهما ولكن في الحقيقة شتّان الفارق فالمُخادع يسعى وراء هدف مُعيّن بينما الضحية هي الهدف ذاته! 
 

ما ينبغي أن تُدركه هو أن ذلك العالمْ مُظلمٍ وقاسٍ جداً، وأن تتشكل تلك الصورة في ذهنك وتترسخ بأن العالم لم يعُد مثالياً ولا هو بالصورة الوردية التي ظهر عليها

وقتما تتشكل الثقة المبدئية ويُكسر اللاوعي الدفاعي المتمركز حول عقل الضحية حينها لا يستغرق الأمر كثيراً حتى ينتقل المُخادع للمرحلة الثانية وهي تَصَيُّد الثغرات، وهذا يُنذر بالانتقال الوشيك لفن الهجوم! كالشطرنج تماماً حيث يسقط الضحايا في الفخ بعدما يُنصَب لهم من قبل المُخادع من ثم يتبعه بوابلٍ من هجوم كاسح يهدف إلى الإبادة المُطلقة فلا يتبقى سوى تحديد طبيعة الهجوم الموجّه تجاه الضحية، وبعدَ أن يوجِّه المُخادع صواعقه تجاه الضحية حينئذٍ لا يُلمح سَنَا طيفُه ولا يُمكن لعينٍ أن تتخطفه بالبصر ليكن بعد إذنٍ كشبح لم يخُلق قط، شبحٌ سَلَبَ من ضحاياه ما لم يعتقدوا أنه سيُنتزع منهم بداخل أسوأ أحلامهم.

وليكن السؤال المطروح، إذن، كيف يُرَدُّ كيد شبح الخداع وحِيلَ الأشخاص المُخادعين؟ ما ينبغي أن تُدركه هو أن ذلك العالمْ مُظلمٍ وقاسٍ جداً، وإلى أن تتشكل تلك الصورة في ذهنك وتترسخ بأن العالم لم يعُد مثالياً ولا هو بالصورة الوردية التي ظهر عليها في بعض فصول القرون السحيقة. وقتها فقط ستُدرك إجابةَ سؤالٍ واحدٍ وهو لماذا يحتال المُخادعون علينا ويسترقون منا عنوةً أجملَ ما خُلق فينا.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة