ثوانٍ قليلة اختطفت منهم الحياة

يوم الحشر! هكذا شبّه من نجى من هذه الحادثة تلك اللحظات. ثوانٍ قليلة كانت كفيلة بنسف ضحكاتهم للأبد، حتى دموعهم وأحلامهم.. ثوانٍ قليلة كانت كافية لخروج الزبد من فم أكثر من 100 شخص لا ذنب له.. روحٌ واحدة ربّما لا تعني لك الكثير، ربما ستتألم قليلاً عليها، لكن هي العالم بأسره لغيرك، هي روحٌ وذكرياتٌ وحسراتٌ. طفلةٌ من بين أولئك الأطفال، كانت تملك أملاً في النجاة، ليقوم نظام الأسد بملاحقة روحها البرئية في مركز الدفاع المدني أثناء نقلها، ليغلق جميع أبواب الأرض، وتبقى روحها في السماء.

أطفال ورجالٌ ونساءٌ ممددين في شوارع خان شيخون، تحسبهم أيقاظاً من تصلّب جفونهم وهم أموات،
تحسبهم ينظرون إليك لتشفق عليهم لتساعدهم، بل هم المشفقين علينا حقاً! ترى ماذا كانت تفعل العائلة قبل موتها بدقائق، ما آخر شعورٍ راودهم قبل موتهم، وماذا ذاقوا من العذاب والألم والاختناق!

خان شيخون! حين يبحث الأب عن زوجته، والأم عن أطفالها، والأطفال في سماء عند رحمة رب العالمين.. خان شيخون! حين يتعمد الأسد حرق أطفالهم وكبارهم بغاز الكلور ليرضي جنونه وغريزته الوحشية.. خان شيخون! حين تستخدم شبكات التواصل الاجتماعي وسيلة ليتعرف الفاقدون على جثث ذويّهم المفقودين! خان شيخون! حين ترمّل النساء، ويرمّل الرجال، ويتيتّم الأطفال، بل ربّما نحتاج لمصطلح يشمل موت كل العائلة سويّة!

ولو أنك سألت أهالي المفقودين في خان شيخون ليقولون لك الحمد لله، وبعين تملؤها الإيمان والرضا.

صارت مراسم الوداع الأخير تطبّق بمجرد سماع صوت أزير الطائرات الحربيّة. لكن السؤال الذي يبقى هنا! من نجى وبقي على قيد الحياة منهم، كيف سيقابل شمس مدينته، كيف سيمرّ عليه ليلها ونهارها؟ ماذا حلّ بأصدقاء ذاك الطفل، بمدرسته ومعلميه وإخوته، ببائع الحلوى الذي طالما حلم بتذوقها! ماذا حلّ برجلٍ نجى وأهال التراب على كلّ أفراد أسرته -إن كان محظوظاً واستطاع إيجاد جثثهم ودفنها؟ ماذا حلّ بأمٍ فقدت أبناءها أو أعز أبنائها، كيف ستمرّ عليها عقارب الساعة؟ فالناجون أشدّ حسرةً وألماً، فجراحهم الجسديّة وإن شفيت، لن تشفى تلك المعنويّة، ولديهم حياةٌ ليواصلوها مع أثقال يحملوها فوق طاقتهم.

ويا ليت النهاية تقف عند هذا العذاب، فمع كل الرعب الذي خُلِّف في قلوبهم، هم لا يزالون ينتظرون دورهم، ينتظرون الموت الذي لا يعلمون كيف يرسمه الأسد وأنصاره لهم الذي يأتيهم بأشكال متعدّدة، فالخوف من الموت وانتظاره هو حقاً أشدُّ عذاباً من الموت ذاته!! لكن السؤال، أولئك الذي يشاركون في عمليّات الإبادة، كيف سوّلت لهم أنفسهم وجمّلت لهم ما يفعلون؟ ربّما نجد الإجابة بالرجوع سبعين سنةً إلى الوراء، لنرى مصير طاقم الطائرة الأمريكيّة التي ألقت القنبلة على هيروشيما، غالبهم تم نقلهم بعد تلك العمليّة إلى مشافٍ نفسيّة، ومصحّات عقلية، لتتولى تلك العيادات غسل عقولهم وتخدير ضمائرهم من آثار التأنيب والذنب، لكنّها لم تنجحّ! وبإمكانكم مراجعة التاريخ لتعرفوا مصير كل واحدٍ منهم، ففيه من الدروس ما هو كافٍ ليتراجع كل طيّارٍ ومشاركٍ في الدمار عن أفعاله!

ومما يدعو للعجب حقاًّ تأييد من يدّعون أنّ لديهم قلوب لتلك الجرائم الوحشيّة، لن أتناولهم في حديثي فهم لا يقرؤون، ولو كانوا يقرؤون لما كانوا في دائرة جهلهم السوداء الحمقاء. ويبقى الإيمان بالله، والنصر بعد الفرج للمؤمنين الثابتين، ولو أنك سألت أهالي المفقودين ليقولون لك الحمد لله، وبعين تملؤها الإيمان والرضا.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة