المدن البخيلة

 
متى نشأنا في هذه الأرض؟
لا أعرف السنة تحديدا جاء جدُ جدك منذ زمن بعيد وسكنها، بنى دارنا الكبيرة هذه وسوّر فضاء واسعا حولها، عندما كبر أبناءه اقتطع لكل واحد قطعة منها بنى له فيها دار وتوسط الدور الجامع الكبير، أبناء عمومتنا أخذ كل واحد منهم بطرف الأرض يبني ويعمر إزاءه حتى صارت البلدة كما ترى، قطع متجاورات ودكاكين وبيوت ممتدة يحدها من الشرق المقابر وتنتهي غربا عند الرشاح الكبير.
 

متى سكنا هذه البناية؟
منذ عشرين سنة، تحديدا في إبريل 1997، دلني أحد الأصدقاء على فرصة عمل بدخل يساوي ضعف ما كنت أحصل عليه في بلدتنا، قررت أن أسافر بكم ونستقر هنا، كان في البناية ثلاث شقق مأهولة عندما قدمنا، الطبيب الذي يسكن في السادس، واللواء المتقاعد في الدور الأول، والمحاسب الذي كان يسكن قبالتنا. الآن لم يبق فيها شقة واحدة غير شاغرة، الإيجارات الجديدة تأتينا كل عامين بجيران مؤقتة جديدة.

***

هل سيأتي زمان علينا لا نحكي لأولادنا سوى القصة الثانية، القصة الخالية من كل الألوان والمشاعر تجاه المكان ولا الزمان الذى نقضيه فيه، قصة الاغتراب الموحش الذى تبتلعنا المدن داخله.

في المدينة يصادق الناس جدران بيوتهم ويثقون فيها أكثر، في أقفال الأبواب ومتاريس البوابات، وسياج التجمعات الإسمنتية

في فورتي قبل سنوات، كنت حانقا على كل الحدود، كنت أرى نفسي كرحالة أو طالب علم أو قائد جند عربي، أولد في خراسان وأطلب العلم في الموصل، أرحل للقيروان وأتزوج من مصر، أعيش في حلب وأموت في القدس، لا يزال الحلم غضا في خيالي لكني بعد أن خبرت الواقع أدركت تماما أن النبية المجتمعية كلها تغيرت، وأن الذين خرجوا من ديارهم مكرهين أو راغبين قد استوحشوا كل أرض أصابوها.

بل اليوم وأنا أنظر لطفلتي التى أكملت عاما واحدا فقط منذ أيام قليلة، أشهر ويكأنها نبتة في الهواء، حتى لكأني أتمنى أن أجمع لها أهل وأشتري لها جيرانا، أبني لهم دور وأقيم حيطان تلاصقنا وتؤازرنا حتى تراهم وتزوهم وتنشأ بينهم.

في البلدة، الناس ناس، يعرف بعضهم بعضا معرفة طبيعية على أساس النسب والمصاهرة والمجاورة الممتدة الطويلة، على أساس الأرض الواحدة وقناة الماء الواحدة والجامع الواحد والسوق الواحدة، على أساس العرف الواحد والطباع الواحدة وطريقة نطق الكلام الواحدة، على أساس الأفراح التى تعم، والأتراح التى تتقاسم والمواسم التى يُتزاور فيها.

في المدينة الناس حجر، جاؤوا إلى هنا بمحض الصدفة بلا أي رابط ولا سابق صلة، بلا أي مستقبل ولا مصير مشترك، هم تحلقوا فقط حول مواقع العمل والتعليم واستوطنوا حول مرابض الوزارات والإدارات والمصالح، لذا فلكل منهم شِرعة ومنهاجا، وتكاد مناهلهم ومشاربهم تتعدد بعددهم ذاته.

الثقة التي هي قائمة في البلدة عبر عشرات السنين، تكاد تنعدم في المدينة، بل ومن يروم بناءها من ذلك العدم تأتي أول ريح عابرة فتطيح بجله، والوُد الحاصل في الكفور والنجوع حقيقة مركوزة أو حتى واجبا محمولا عليه يصير في المدن والحواضر حبيسا كالمزموم بالطين لا يكاد يجد له منفذا ينفذ به إلى وجوه الناس فيبسمون بصدق أو إلى أيديهم فيصافحون بحرارة.

في البلاد يصادق الناس الناس يلاعبون الأطفال أو حتى ينهرونهم، يوقرون الكبراء ويحفظون النسوة ويفتحون أبواب دورهم، فكرة أن الجميع يعرف بعضه بعضا كشبكة تحفظ خلفها مئات الشوائب والمشكلات التي يمكن أن تحدث فتراها متوارية قليلا من تلك العين الجمعية.

في المدينة يصادق الناس جدران بيوتهم ويثقون فيها أكثر، في أقفال الأبواب ومتاريس البوابات، وسياج التجمعات الإسمنتية، يتوجسون خيفة من كل شيء يتحرك على الارض، كل الناس هنا غرباء حتى ولو رأوهم للمرة الألف، لا تعرف لهذا أبا ولا لذاك أرضا لا يستطيع التحول عنها ولا كبيرا يمكن أن يحتكم عليه، كل هؤلاء الغرباء مشاريع لصوص أو خاطفوا أطفال أو على الأقل اصحاب مصلحة يريدون أن ينتفعوا منك بأي شكل كان.
 

سوق القرية مجتمع للبيع والشراء وتبادل الأدوار ولو حتى بين البلاد المختلفة، تشعر أن فيه أناسٌ وبضاعة ومساومة وبشاشة وغش وحلف وشعور لذة باقتناص ثمن أو زفرة بتغلب بائع، أما سوق المدينة فهو عرض واحد كبير منصوب للجميع، يظهر كشخص بدين بسيجار في فمه يبتسم ابتسامة صفراء والجميع مجبورون على إخراج نقودهم من جيوبهم وإدخالها في حصالته التي لا تمتلئ أبدا، هذا هو سوق المدينة الكبير، أما أسواقهم اليومية فلا يذهبون غليها هي من تأتيهم وتقرع أبوابهم كل يوم فلا يضطر أحدا لأن يختلط بأحد.

جامع القرية لا يقف أمامه الشحاذون، لا يوجد شحاذ يعرفه الجميع، في القرية الفقراء يطرق الناس أبوابهم بالصدقات والهدايا ما استطاعوا لذلك سبيلا، جامع القرية جامعا وكتابا وإذاعة يومية تذيع الأخبار هذه حملة تطعيم للأطفال وهذه قائمة وفيات اليوم، يُعقد فيها القرانات، وتشيع منها الجنازات، يتحلق الناس فيها حول شيخ أو مقرىء، يتعلم الأطفال فيها القراءة والقرآن. أما المدينة فليس فيها جوامع على الأغلب، مجرد مصليات ومخازن سفلية في بنايات طويلة قُلبت من مواقف سيارات إلى زوايا صغيرة يقام فيها الصف والصفين، وحتى المساجد الكبيرة منها كلما كانت المدينة أحدث كلما استوحش المسجد منهم فور انقضاء الصلاة لا سلام أو كلام أو تحلق حول علم.

المدن البخيلة جعلتنا لا نرى لنا ولأبنائنا مستقبلا لأي ذاكرة يمكنها أن تتشكل، سوى ذاكرة الـ (ميموريز) الخاصة بالفيسبوك

لا يمكنني أن أحمل كل هذا للمدن البخيلة وحدها، ربما القرى اليوم بعد أن تركناها لسنوات طويلة تحولت أيضا إلى كل هذا، مياه كثيرة جرت في نهر حياتنا المعاصرة أودت بنا إلى كل هذا الغتراب الحاصل، العوالم الموازية التى خُلقت لنا ربما تأخذ بناصية كل هذه المظاهر، الجميع يصادق الصور والحسابات الإلكترونية، ويطالع أخبار الصفحات والمواقع، ويتحدث على الخاص وفي القريب مع البرامج الآلية التي ليس فيها حتى شبهة بشر.

لا يمكنني أيضا أن أحمل كل هذا الاغتراب لعوامل اجتماعية فقط، الناسُ كسرت فكرتها من الأساس، الجميع في السنوات الأخيرة هرب ممن يعرفهم غلا من لا يعرفهم، لا يريد أن يتشاجر مع أحد يوميا على السياسة المغلفة بالدم النازف في كل مكان، على الأحداث الحدية التي فرقت بين الناس وجعلتهم شيعا، ربما يحتمل أحدهم الشجار والعراك ولكنه قطعا لا يحتمل أن يُسلمه فريق إلى حتفه إذا كان معارضا لهذا أو مؤيدا لذاك، ربما يرتاح المرء منا الآن في مكان لا يعرفه فيه أحد، لأنه ببساطة يساوي مكان لن يؤذيه فيه أحد.

المدن البخيلة جعلتنا لا نرى لنا ولأبنائنا مستقبلا لأي ذاكرة يمكنها أن تتشكل، سوى ذاكرة الـ (ميموريز) الخاصة بالفيسبوك، وحدها اليوم تتشكل منفردة، لا يمكنك أن تزرع نخلة أمام بيتك لأنك لن تجني رطبها، لا أنت ولا أبناؤك يوما، من يسكن منا بتملك يسعى كل يوم لأن يتملك في مكان أفضل، ومن يسكن منا بأجل يسعى لأن يمد أجله إلى وقت يعلم أنه قادم لا محالة وسيستحيل إلى موقع آخر.

مدننا اليوم جعلتنا في اغتراب دائم في موطننا، جعلتني عاجزا أمام طفلتي التي تنظر للباب في لهف وتريد الخروج كل يوم ومصاحبة الناس وملاعبة قطط الشوارع والانطلاق في الحديقة الخلفية، وددت لو أطلقها لتعود لي بعد ساعات تحكي لي عن يومها الجميل الذي قضت منه شطرا مع الجيران والأقارب المتحلقون حولنا، لكن من سيعيد هذه الثقة؟ ربما تطبيق جديد سيظهر يعيد بناء مجتمعا اصطناعيا جديدا يستطيع أن يعوضها بشكل زائف كما يحدث دائما، شكرا أيتها المدن البخيلة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يتناول الناقد السوداني أحمد الصادق أحمد في هذا الحوار العديد من القضايا المتعلقة بالثقافة السودانية وأحوال الكتابة، وسؤال الهوية والحداثة وما بعد الحداثة، ويقدم رؤيته حول الإبداع الروائي الشبابي.

الأكثر قراءة