الكابتن ماجد ونظامنا التعليمي

حدثني صديقي أن الرسوم المتحركة التي تلت جيلنا لا تحمل ثقلا أخلاقيا ولا رسائل هادفة تُرسي ما أرست سالفتها من أخلاق وفضيلة، فرسوم متحركة مثل سالي وريمي وصاحب الظل الطويل والكابتن ماجد والهداف والرمية الملتهبة وبيل وسيباستيان وعهد الأصدقاء وغيرها، رغم اختلاف أنواعها وشريحتها المستهدفة إلا أنها تشترك في زرع خُلق المثابرة والكد والصبر والعزيمة والإخاء والصداقة وغيرها من أخلاق ومُثل، مما أعانت بشكل أو بآخر الأسر والمنشآت التربوية في نسج الفضيلة على منوال الأحاسيس التي تمخضت بقلوبنا زمنا قبل أن نجد انعكاسها أو انعكاس بعضها ببعض معاملاتنا الآن.

يمكن أن تقول إنني أرفع من شأن هذه السلاسل المرسومة التي لا هدف لها سوى التسلية، لكن لو تأملتَ بعض الشيء لوجدتَ أن بعضا من مثابرة كابتن ماجد وزرعه لروح الصبر والتضحية بمجال كرة القدم بقلوب أجيال متتابعة جعل المنتخب الياباني مثلا يسطع بعد عرضه بسنوات بالقارة الآسيوية بل ويتقلد مراتب لم يجد لها متسعا قبل هذا. وهذه التجربة تعيدها الآن دولة اليابان بإعادة إنتاج أنمي له طابع الكابتن ماجد لكن بصيغة أنثوية وردية كي يضخوا بقلوب بناتهم ما زرعوه سابقا بقلوب الذكور. ونجد مثل هذا في مناح عديدة وقطاعات أخرى سواء رياضية أو بوليسية أو تربوية مدرسية.

فلنعد لصديقي الذي قال إن أنمي هذا الجيل لا يحمل ثقلا أخلاقيا كما حمله سالفه! وقد اختار كمثال لاستنكاره مجموعة من الأنيميات التي لم أشاهدها، ربما لانشغالي آنذاك بالدراسات البعد-ثانوية أو لاختياري لمتابعة الأنمي الياباني الحديث والذي تتضخم من إنتاجه الشبكة العنكبوتية، فتجد نفسك أمام سلاسل لا حصر لها. كان كلامه الاستنكاري حول بوكيمون وديجيمون وبي بليد ويوغي يو وغيرها… ربما هو الآخر كان قديما.

الكابتن ماجد رغم سطحيته أخرج في اليابان جيلا يعتز بحمل قميصه الوطني، وهنا في بلادي يفرُّ لاعب الكرة من المنتخب فراره من قسورة.

أجبته حينها بطرح مُسهب موضحا ما ألخصه كما يلي:
الأنمي الياباني لا يُحصر في نوع بذاته أو مجال بنفسه، إذ تكفيك بضع نقرات بالشبكة العنكبوتية لتجد نفسك أمام عالم مواز لعالمنا، شخصياته تتراقص في ألوان بديعة رقراقة تسلب الفؤاد بكلامها وبتعابير وجهها، عالم يضم حكايات تُحاكي عالمنا حدَّ التماهي وحكايات أخرى تأخذك إلى عوالم أخرى حيث الفانتازيا التي تُسيل لعاب مشاهدها وتُسكره حدَّ الثمالة. ستجد هناك من الأنمي، الاجتماعي والفانتازي والخيالي والرياضي والمدرسي والحربي والتقني وغيرها من أنواع تتشكل وفق ميولاتك وما تريد أن ترى وتشاهد. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لا يُعرض على أطفالنا غالبا إلا تلك النوعية الرديئة من الرسوم المتحركة؟ ولماذا لا يُختار من الأنمي الياباني إلا نوع المغامرات التي تخلو من بعد إنساني وتربوي غير مشاهد قليلة يُمكنها أن تُحسب على أطراف كف واحد؟

لو تأملتَ إلى المنتوج التربوي عامة بالرقعة العربية والمتمثل في الأنظمة التعليمية بالأساس، فستجد نفسك أمام صورة كاملة تُوضِّح الجو التعليمي والتربوي العام عند العرب ومدى تلازمه مع عرض مثل هذا العبث بشاشاتنا الصغيرة، ودُنُوِّ جودة المبثوث التعليمية. في حين أن اليابان ومعها الولايات المتحدة الأميركية تنتج مئات الأنيميات في العام الواحد، مختلفة الجودة والهدف والشريحة التربوية. كما تجد أن أغلب القنوات العربية المهتمة بثقافة وتربية الطفل تبثُّ رسوما غربية متضاربة الرسائل التربوية، وأفضلها ما يخاطب الطفل الغربي المختلف عن الشرقي طبعا. ونحن كعرب أقرب إلى الشرق منا للغرب.

فالأنيميات المختارة من جهة لا تخدم الطفل العربي من حيث زرع القيم التي كانت ملموسة بسالفتها، ومن جهة أخرى هي تخدم القيم الغربية بالأساس، وهنا لا أبخس شيئا من هذه الأخيرة بقدر ما أستنكر ملء أفئدة أبنائنا بقيم مخالفة لقيمنا الشرقية من جهة والإسلامية العربية من جهة أخرى. أنا هنا لا أريد لَوْك نظرية المؤامرة، وأن هذه القنوات تخدم أجندات غربية. فلا أظن أن الغرب ما زال يحتاج لتدخله بإعلامنا كي يدهور الوضع التربوي بقدر ما أضحينا نتفنَّنُ في قبر مواهب أطفالنا ونزع كل فضيلة من قلوبهم وأفئدتهم. مستوانا التعليمي متدنٍّ كثيرا، فأغلب الدول العربية تحت المرتبة الخمسين وفق مؤشر جودة التعليم الابتدائي وهو ما يُهمُّنا هاهنا.

جودة الرسوم المتحركة المبثوثة على قنواتنا لا تعدو إلا انعكاسا لنظامنا التربوي والتعليمي المُتَرَهِّل والفاشل، كأن ما يُدَرَّس وما يُعرض على شاشتنا الصغيرة في تناغم مُحبط! الأنمي يا صديقي ليس به عيب، بل العيب في اختياراتنا، فيما نريد تربية أبنائنا على مشاهدته، وما نريد لهم أن ينشؤوا عليه. لن أصرخ ككثيرين قائلا امنعوا التلفاز من أعين الطفل، ولن أقول حجموا وقت مشاهدة التلفاز من أطفالكم إلى عشرة دقائق أو نصف ساعة باليوم، بقدر ما أصرخ عاليا أن اختاروا لأطفالنا ما ينمي عندهم مكارم الخُلُق ويغرس الفضيلة في قلوبهم. فالكابتن ماجد رغم سطحيته أخرج في اليابان جيلا يعتز بحمل قميصه الوطني، وهنا في بلادي يفرُّ لاعب الكرة من المنتخب فراره من قسورة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

اختتمت في العاصمة الجزائرية فعاليات الدورة الأولى لمهرجان "جزانيم"، وهو أول مهرجان محلي لأفلام الرسوم المتحركة، الذي من بين أهدافه "الوقوف في وجه الغزو الثقافي المحدق بأطفال الجزائر".

الأكثر قراءة