أهل غزة بين نار الحصار ومقصلة الخصومات الحكومية

أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قراراً بخصم 30% من رواتب الموظفين في قطاع غزة، بحجة أن أغلبهم لا يعملون بالدوام الحكومي المقرر عليهم، وأن عبء المصروفات الحكومية أدى إلى العجز عن السيطرة على حجم الأرقام التي تُدفع كل شهر للموظفين، في حين أن موظفي الحكومة في رام الله بالضفة الغربية لم يُخصم من رواتبهم أي شيء! ما هي إلا لحظات من صدور القرار وبدأ الشارع الغَزّي ينتفضُ على ظلم هذا القرار لما فيه من أكل علني لحقوقه البسيطة في الحياة، وهي أن يتقاضى الموظف راتباً يكفيه هو وأسرته مستوراً حتى نهاية الشهر، بدت كلحظة من لحظاتِ كابوسٍ ليلي على أهالي قطاع غزة!

 

ماذا سيفعل ذلك المقترض من البنوك؟ ماذا سيفعل ذلك المقترض من الجمعيات والمؤسسات؟ كيف سيسترد الدائن ديونه؟ كيف يمكنه شراء قوته وسداد دينه في ذات الوقت؟! بدأ التجار يطالبون بديونهم المستحقة لهم من الدائنين وبدأت البنوك تخصم من أرصدتهم آلياً، حتى أن البنك بدأ يطالب البعض بمستحقاته وإلا ستحول القضية إلى الجهات القانونية في حال لم يتم الدفع! هذا كله بعد إصدار هذا القرار.. جوهريتنا هنا تستدعي التخمين! إذا كان هذا ما طبقتموه على قطاع غزة لماذا لم تطبقوه في رام الله؟

 

أما الآن فقد أصبح هذا الأب الشاقي لا يفكرُ إلا بكيف يمكنه الاكتفاء من راتبه في ظل الأوضاع الصعبة والديون الكثيرة لديه ولدى آلاف من المكلومين الكادحين من أمثاله.

ما هذه اللامبالاة يا سيادة الرئيس؟ يقطن هذا القطاع المحاصر ديموغرافياً وسياسياً واقتصادياً قرابة مليوني شخص، فإذا كانت نسبة الفقر تتجاوز 60% والبطالة 72% بالإضافة لتدني المرافق التعليمية والصحية وانقطاع الكهرباء وغيرها من الويلات التي يعانيها هذا القطاع منذ سنوات طويلة، إذن ماذا تبقى لهم لينعموا بحياة كريمة؟

 

إن الـ30% التي تم خصمها من رواتبهم يا سيادة الرئيس كانت كفيلة بالقضاء على الهرم الأسري بشكل كامل، فلكل بيت متطلباته ومستلزماته سواءً أكان هناك مصروفات جامعية أو مصروفات دورية للمأكل والمشرب والسكن، فما بالك لو كان هذا الشخص عاملا بسيطا يتقاضى 250 دولارا في الشهر، فمع الخصم قد يصل أجره لمعدل 175 دولاراً تقريباً لتكفيه على مدار الشهر! إذن أصبح من المستحيل أن يستطيع هذا الأب لخمسة من الأبناء بالتوفيق ما بين تكاليفهم المعيشية والتعليمية أو حتى الصحية، كما الذي حُكم عليه بالسجن المؤبد، حتى أن سبل الرفاهية وأنسجة الراحة البدنية لديه تقطعت أوصالها، فيما سبق كانت هذه الـ30% تتيح للبعض التنزه مع عائلاتهم خارج البيوت، وتزودهم ببعض الملابس والحُلي وغيرها من المتاع، أما الآن فقد أصبح هذا الأب الشاقي لا يفكرُ إلا بكيف يمكنه الاكتفاء من راتبه في ظل الأوضاع الصعبة والديون الكثيرة لديه ولدى آلاف من المكلومين الكادحين من أمثاله.

كانت السلطة الفلسطينية فيما سبق تتهمُ حركة حماس بالمسؤولية عن الأوضاع المعيشية الصعبة السائدة داخل القطاع، ولكنكم الآن أثبتُّم للجميع عكس ذلك، يبدو أن السلطة وأجهزتها الآن تُحكم قبضتها على مجرى التنفس المتبقي أمام جشع هذه الحياة. كان الوضعُ يستدعي حراكاً فورياً فما كان من أقاليم غزة التابعة لمنظمة السلطة الوطنية الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية بعد ساعات ليست بالطويلة، بالنفير العام والمطالبة بتقديم استقالتها من الحركة وتم مناقشة القرارات في ظل دعم مؤيد من الحاضنة الشعبية وإحالتها إلى مفوض التعبئة والتنظيم في اللجنة المركزية لحركة فتح السيد أحمد حلّس (أبو ماهر) بعد عقده مؤتمراً عاجلاً للبحث في سُبل حل هذا الخلاف، وآلية تقديم هذه المطالب للرئيس محمود عباس، لأن العد التنازلي للقنبلة الجماهرية الموقوتة بدأ.. هذه القنبلة بدأ صبرها بالنفاد في ظل الضغوطات من كافة الجوانب، مما قد يؤدي إلى التطرق لعدة سيناريوهات كانفجار في وجه إسرائيل أو في وجه السلطة الفلسطينية بقياداتها، للتخلص من الأزمة، فقطاع غزة حالياً أشبه بقنبلة فقط تنتظرُ الثواني الأخيرة للانفجار! إلى جانب الركود الاقتصادي الهائل الناتج عن هذا القرار، الذي سيصيب المحال التجارية بالشلل وبداية لأزمة جديدة لم يشهدها القطاع منذ فترة طويلة فحذارِ من تبلور الأحداث القادمة!

 

لذلك كما ويجب أيضاً على باقي أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري بتقديم استقالتهم والاحتذاء بما فعلوه شرفاء وأبطال أمناء سر أقاليم القطاع، حتى ترضخ السلطة لمطالب الموظفين البسطاء، وتكون نهاية التغطرس والتآمر على حقوقهم!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

رصدت تلغراف جانبا من المأساة المروعة التي خلفها الهجوم الكيميائي الذي شنه النظام السوري على بلدة خان شيخون بريف إدلب شمال سوريا يوم الثلاثاء، وأودى بحياة المئات معظمهم من الأطفال.

الأكثر قراءة