هل اشتاقت أوروبا لصكوك الغفران؟

blogs-pope
هل جعلت تركيا أوروبا تشتاق لبركات الكنيسة وصكوك الغفران؟ أم أن نضوجاً فكرياً جعل الأخيرة تفكر كيف تُعيد ترميم علاقتها بالكنيسة، لتجمع بين ما كانت تُسميهمُ الضدين "الكنيسة والدولة"، هل هي بذلك في صدد إنتاج ثورة فكرية أخرى؟ أو تحالف من نوعاً أخر؟ أم أن الأمر مجرد كبرياء رجل أصابه الكبر وله ذرية ضعفاء، يخشى التهاوي والتفكك، على إثر مغادرة التاج الملكي البريطاني لساحة بروكسل، غير آبه بكل محاولات ثنيه عن ذلك. 

هل من تكلموا عما أحدثته المفارقات الجديدة، التي بدأت تلوح مؤخرا في سماء الاتحاد، وتراجع بعض دول الاتحاد عن مواقفها تجاه المبادئ التي قامت من أجلها، لم يستطيعوا أن يفسروا لنا ما يجري بطريقة صحيحة؟ أم أن الأمر له علاقة بمدى الخطر الذي يحدق بأوروبا، والذي من شأنه أن يُعيد ترميم العلاقة بين أوروبا المسيحية وأوروبا السياسية، وقد يحصل ذلك بين عشية وضحاها إن اقتضى الأمر، ناهيك عن التغيرات في السياسة الأوربية التي بدأت بالظهور إلى السطح. أم أن الأمر ليس له علاقة بكل ما سبق، وكل ما رأيناه بين يدي البابا، مجرد ذكرى عابرة لتأسيس الاتحاد ليس إلا.

لم تكن الأحداث الأخيرة التي جرت، بين تركيا وبعض دول الاتحاد محض صدفة، بل افتعلتها بعض دول الاتحاد، لتكون القشة التي تكسر ظهر البعير، لإبعاد تركيا أكثر وأكثر.

ولكن لماذا الكنيسة؟ المنصة الحمراء التي يعتليها الكرسي الأبيض؟ وماذا عن كيفية الجلوس والهيئة التي ظهر بها بابا الكنيسة؟ ماذا عن قادة الدول الأوروبية، عن أوروبا الليبرالية، والاشتراكية، والديمقراطية، واليسارية، واليمينية. هل يعقل أن تقف يمنة ويسرة بين يدي البابا بتلك الطريقة؟ التي أعادت بنا الصورة إلى ما قبل أوروبا النهضة، إلى العصور الوسطى، عصور الإقطاعات، وجيش الرب، والحملات الصليبية، وحراس المعبد، أم أن الأمر ثوباً لبسته أوروبا وحان لها أن تخلعه جانباً.

في نظري لا غرابة أن يحدث ذلك، بل إنه من الطبيعي أن نرى تلك الصورة التي أرادت أوروبا أن تريها للعالم، في ذكرى تأسيس الاتحاد الأوروبي، لكي تُظهر الأمر على أنه مجرد ذكرى عابرة ليس إلا، غير أن مجريات الساحة في المحيط الأوروبي، هي من جعلت أوروبا تُقدم على مثل تلك الخطوة، خصوصاً التنامي المتسارع لأسلمة أوروبا المسيحية من ناحية، عن طريق تدفق اللاجئين إليها عبر تركيا وسواحل المتوسط، ومن ناحية أخرى الحساسية العالية من التقدم المتسارع، الذي يحققه أبناء الدولة العثمانية على التخوم الجنوبية الشرقية لأوروبا، والذين عاودوا إلى الظهور مجدداً إلى ساحة الصراع الأوسطي، مطالبين بالكثير مما كانوا قد فقدوه سابقاً. كل ذلك يحدث على غرار تنامي الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تعالت أصواتها مؤخرا في المجتمعات الأوروبي.

لم تكن أوروبا مندفعة وصريحة من قبل في امتعاضها الشديد من الدور الذي تلعبه تركيا في المنطقة، كما هو حاصل اليوم، فقد جعلت الأحداث المتسارعة أوروبا تخرج عن طورها، الذي طالما لفه الغموض والضبابية، حول تبيانات وجهات نظر البيت الأوروبي من الداخل مع الجار التركي، والذي جعل الأخير أبعد ما يكون من أي وقت مضى، عن دخول حوض الاتحاد الأوروبي.

ماذا عن قادة الدول الأوروبية، عن أوروبا الليبرالية، والاشتراكية، والديمقراطية، واليسارية، واليمينية. هل يعقل أن تقف يمنة ويسرة بين يدي البابا بتلك الطريقة التي عادت بنا إلى صورة أوروبا الحملات الصليبية؟!

لم تكن الأحداث الأخيرة التي جرت، بين تركيا وبعض دول الاتحاد محض صدفة، بل افتعلتها بعض دول الاتحاد، لتكون القشة التي تكسر ظهر البعير، لإبعاد تركيا أكثر وأكثر عن الاتحاد من ناحية، ومن ناحية أخرى إضعاف نتائج التصويت على الاستفتاء الدستوري، الذي تجريه تركيا مؤخراً، والذي ترى فيه أوروبا نظاما رئاسيا إسلاميا، يضع مسيحية أوروبا على حافة الأسلمة. ليس ذلك فحسب، بل ترى أوروبا أن تركيا هي البوابة الشرقية، التي يجب أن تؤصد، وهي الثغرة التي يمكن تؤتى أوروبا من قبلها، بعد أن أغلقت البوبة الجنوبية مع أفريقيا على ما يبدو إلى الأبد. 

على مدى بعيد، تناست أوروبا العزف على وتر الشعارات القومية والدينية، وهي النقطة التي تحشر أوروبا في زاوية ضيقة، يصعب الخروج منها بسهولة، وربما هي النقطة التي أخرجت ما كان في دهاليز السياسة الأوروبية إلى فوق الطاولة، وهي النقطة التي عرفت كيف تعزف عليها الحكومة التركية جيداً، في مواجهة الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها بعض البلدان الأوروبية مع مسؤولين أتراك، ناهيك عن منعها للحكومة التركية من إقامة أنشطتها الجماهيرية، على غرار السماح لأحزاب المعارضة.


الناظر اليوم يرى أن أوروبا لم يعد لها من أمر العالم شيء، سوى بعض التحالفات التي أثقلت كاهل الاقتصاد الأوروبي، والتي لم تجعل أوروبا في منأى بعيد عن الهجمات الإرهابية، وهذا ما جعل الصولجان البريطاني يذهب بعيدا عن الاتحاد الأوروبي، لأنه يرى أن له مكانة أخرى، وثقلا آخر، ربما يعيده إلى الواجة من جديد. فماذا ستفعل أوروبا؟ وما هي الخطوة القادمة لتركيا؟