هوية المجتمع ليست بهارات

بتنا نعيش فوضى المكان والزمان، الفوضى التي تعصف كل موروث قيم يعبر عن ماضينا وتراث الأرض والأجداد، الفوضى التي تهوي بهوية المجتمع إلى الهاوية، وتستبدلها بحديثة دخيلة على المجتمع وصورته الأصيلة، يتوجب علي الآن أن أوضح أن رفضي هنا هو ليس رفض للمجتمع وإنما رفض تعاطي السكان مع هوية مكان له خصوصية كفلسطين، ورفضي للهوية البصرية التي تشوه المكان التي باتت مصدر عبء لسكان المكان.

المفارقة بين فلسطين المحتلة وألمانيا كدولة متحررة ديمقراطية
بداية ومن أجل التوضيح فقط؛ ستعقد هنا مفارقة بين نقيضين مختلفين تماماً، أحدهما واقع تحت احتلال صهيوني مسيطر ومهيمن والأخرى هي دولة متحررة ومستقلة بذاتها وكيانها، ولكن ما يجعل هذه المقارنة مشروعة هي العقل المجتمعي وظروفه وموروثه الاجتماعي "اللاوعي الجمعي"، فلو تناولنا مثال الأفراد الذين ينتقلون للعيش إلى الدول الأوروبية -ومثال "ألمانيا" وارد بصفتها البلد القرين- ورصدنا الأطفال الذين ينشئون ويتربون هناك بالتأكيد سينشئون نشأة مشابهه لأقرانهم في ذلك البلد بمعزل عن الموروثات الموجودة في وطن والديهم الأصلي "فلسطين مثلاً" وهنا بالإمكان التأكيد على ظاهرة اللاوعي الجمعي التي سيتناولها هذا النص، عل ظاهرة اللاوعي المجتمعي ظالمة أحياناً بسبب التعميم وفرض الصورة النمطية الذين يقعا جبراً على أفراد المجتمع الذين يرفضون صورته وهويته الجمعية بسبب "اللاوعي الفردي" لديهم إلا أنه غالباً ما يفسر ظاهرة ما نراه اليوم في المجتمعات في حالتنا هذه.

استطعت خلال زيارتي لألمانيا أن ألمس احترام خصوصية وهوية المكان والتاريخ والحضارة، عندما تتجول في المنطقة تحسبها قطعة فسيفساء نتجت بتراكم طبقات التاريخ القديمة والحديثة، تلمس هوية واضحة المعالم للمدينة

الهوية البصرية المسيطرة تحت مسمى الحضارة والتقدم
لعل المشهد البصري العام "الحديث" المسيطر في المجتمع حالياً يحتكم إلى إشكاليات عديدة تتناقض مع كونه يشكل هوية فارغة المضمون تنتمي لمجتمع كالفلسطيني ذات الحضارة والثقافة الخصبة والهوية المعروفة، والنقد لهذا المشهد المسيطر حالياً ما هو إلا رفض لطمس الهوية والحضارة والتراث واستبدالها بشبه حداثة خالية المضمون وفاقدة لمعناها أحياناً، فهل يستطيع أحدنا تفسير هدم القديم بكل ما يحمل من ذكريات وقيمة وموروث وتاريخ وحضارة لصالح إقامة مباني جديدة عالية لا معني لها ولا مبرر لحدوثها إلا سيطرة اللاوعي الجمعي الرأسمالي!

قد يتبادر للحظات لذهنك أن هذا النص عدو التقدم والتطور، ولكن دعني أخبرك شيء أنني قد كتبت هذا النص باستخدام الهاتف الذكي وعدلته باستخدام الحاسوب المحمول "لاب توب" وها أنا أتناول بعض من القهوة السريعة التحضير وأرتدي بنطال جينز، وكلها مظاهر شكلية للتقدم والتحضر وأنا أقبلها تماماً واتعاطى معها لذا أرجو اعتبار هذا مبرراً لنقد التقدم والحضارة وليس رفضاً له.

بين تجانس القديم والحديث
استطعت خلال زيارتي لألمانيا أن ألمس احترام خصوصية وهوية المكان والتاريخ والحضارة، عندما تتجول في المنطقة تحسبها قطعة فسيفساء نتجت بتراكم طبقات التاريخ القديمة والحديثة، تلمس هوية واضحة المعالم للمدينة.

تتجانس المباني والطرقات والساحات العامة والمساحات الخضراء في ألمانيا لتشكل في مجموعها لوحة متجانسة، حاولت أن أقرأ وأسأل السكان المحليين عن سبب التجانس الذي تشهده المنطقة "هامبورغ مثال" تتجانس عناصر المدينة مع بعضها البعض حيث لا تلمس نشازاً في العمران في المدينة ولا تلوثاً بصرياُ كالذي نشهده هنا، في المدينة العديد من الأمور التي تظهر تجانس وجمال وعبق الماضي وحداثة الحاضر والمستقبل، جاءت إحدى القوانين في هذه المدينة لتسن تشريعاً يفرض على الناس وجوب عدم البناء بما يزيد الارتفاع عن برج الكنيسة الموجودة "كنيسة القديس ميخائيل" والذي يبلغ ارتفاعه حوالي ١٣٢م.

 

عل الانطباع الأولي لفرض مثل هذه القوانين هو انطباع يحدد الإنسان ويحدد حريته في "ملكه" ولكن وجود الرؤية الواضحة والتخطيط للمستقبل البعيد جعل فرض مثل هذه القوانين مصلحة عامة وحالة خلق لا وعي جمعي ناضج وواعي لأهمية المدينة وأهمية الحفاظ على هويتها ولاحترام الإنسان فيها، وكذلك خلق لا وعي فردي ناضج وواعي بأهمية كل ما يرى حوله في المدينة، بعكس ما نشهد من أحداث شبه يومية في محيطنا مدعاة للإحباط تبدأ بهدم المباني القديمة وتليها إنشاء مباني عالية جداً لا هوية لها هدفها الأول والوحيد هو إشباع غريزة رأس المال في المنطقة، وبات هذا الشبح يغتصب المنطقة بمبانيه الشرسة المسيطرة بارتفاعتها التي تخلت عن نمط العمارة الفلسطينية القديمة التي لم يتجاوز ارتفاع مبانيها سوى بضعة أمتار.

تفوق المجتمع الفلسطيني على نفسه في عدد المباني القديمة التي تم دثرها لإنشاء مباني حديثة لا هوية لها، عل الواقع الفلسطيني يجبرنا أحياناً على جزء من هذه التصرفات كالارتفاع المهول لأسعار الأراضي في المدن الفلسطينية وارتفاع أسعار العقارات

سيطرة رأس المال على المشهد العام للمحيط
باتت مدننا اليوم تمتلئ باللوحات الإعلانية "باللبوردات" التي لا تحمل سوى إعلانات لبعض الشركات الرأسمالية، هذه اللوحات التي تفتقد إلى أدنى معايير الجمال وحتى "الأمان"، لنقف لبرهه ونتأمل ما إذا كانت عدد الشركات في فلسطين تفوق عددها في أوروبا أو تحديداً منطقة الدراسة "ألمانيا"؟

 عدد الشركات التي تستخدم هذه اللوحات الإعلانية لا يتعدى ١٥ شركة موجودة في محيطنا "بلدنا صغيرة وبنعرف بعض" ولكن تتسبب هذه اللوحات في تلوث بصري يؤثر على المشهد العام للمدينة عدا عن احتمالية سقوط بعضها في العواصف الشديدة ولدينا أمثلة عديدة على هذه الحوادث، في المقابل لم ألمح لوحات إعلانية مجنونة في ألمانيا بهذا الحجم، اعتمد الناس هناك على جعل المشهد العام خالي من رأس المال ومليء بالتفاصيل الجمالية التي تبدأ بالطرز المعمارية القديمة إلى الساحات التي تمتلئ بتفاصيل التجمعات الإنسانية سواء لغرض الموسيقى او الجلوس والتأمل وانتهاء بالشجر الذي لا تكاد زاوية أو شارع يخلى منه واستعانوا بعناصر إعلانية ثانوية صغيرة في أماكن محدودة، ولكن ماذا عنا! ماذا عن مستقبل مدن باتت لا ترى من زاوية فارغة إلا هيكل حديدي يحمل إعلاناً لإحدى الشركات بمبالغ خرافة وأسطورية!

هل يمكن تقديم تفسير لما يحدث هنا وهناك؟ 
لم لا، تفوق المجتمع الفلسطيني على نفسه في عدد المباني القديمة التي تم دثرها لإنشاء مباني حديثة لا هوية لها، عل الواقع الفلسطيني يجبرنا أحياناً على جزء من هذه التصرفات كالارتفاع المهول لأسعار الأراضي في المدن الفلسطينية وارتفاع أسعار العقارات التي أصبحت تقارن بأكبر مدن العالم وأغناها، ولكن بالواقع تكمن عدة تساؤلات بحاجة لإجابة، فإحداها هل هناك حاجة لكل هذه المساحات المبنية في فلسطين؟ وهل الرأسمالية والحلول الفردية التي تعمل على طمس الموروث لصالح الرأسمالية هي الحل لمشكلتنا؟ وإذا استمرت هذه الحلول الفردية الرأسمالية بسيطرتها ما الذي يمكن أن نصل له؟

بالمقابل أظهرت القوانين للمجتمع وأبناؤه هناك أهمية حفظ المكان وقيمته وعززت هذه القوانين أهمية الفرد بين مجتمعه وليس أهميته وقيمته بمعزل عن محيطه ومجتمعه أي أن اللاوعي الجمعي الذي هدف للحفاظ على ما تم الحفاظ عليه لغاية اليوم ساهم في خلق أفراد يعوا ما يملكون من ملكية عامة ومجتمعية.

رفض اللاوعي الفردي للاوعي الجمعي المسيطر
بتنا اليوم كأفراد نعي المشكلة أكثر من أي وقت ونسعى ونطالب بحلها والقضاء عليها، لكسر الصورة النمطية المجتمعية الرأسمالية المسيطرة، حيث أدركنا أن هوية المجتمع مصلحة عامة ومطلوبة وهي ليست بهارات بالإمكان الاستغناء عنها نتيجة ارتفاع الضغط المجتمعي، الاقتصادي أو حتى السياسي، ولذلك فإن الجهات المختصة ابتداء بالوزرات ذات الاختصاص والعلاقة والمحافظات والبلديات مطالبة بسن قوانين وتشريعات تهدف إلى تحديد رأس المال الفلسطيني وطمعه فيما تبقى من موروث لهذا اليوم، علنا ننتصر لجزء مما نتغنى به يومياً.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

استقبل ولي ولي العهد ووزير الدفاع السعودي الأمير محمد بن سلمان عددا من مشايخ القبائل اليمنية أمس الأربعاء في الرياض، وأكد لهم أن المملكة تعتبر اليمن العمق الاستراتيجي للعرب.

ندد وزير الخارجية الألماني زاغمار غابرييل بالهجوم الكيميائي الذي استهدف بلدة خان شيخون بريف إدلب وأوقع مئات القتلى والجرحى، كما تظاهر العشرات أمام السفارة الروسية ببرلين تنديدا بدعم موسكو للأسد.

قال مستشار رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري الحكومي محمد عبد الجليل، أمس الأربعاء، إن تعداد المصريين بالداخل والخارج تخطى مئة مليون نسمة.

الأكثر قراءة