عيون أطفال خان شيخون تفضح عجزنا

صفحة جديدة أُضيفت إلى سجل الكتاب المخضّب بالدماء، فتنزف منه في كل فصل جديد ما بقي من كرامة. صور أطفال مجزرة خان شيخون لن ترسخ فترة طويلة في ذاكرتنا، فسرعان ما سنقلب صفحتها كما قلبنا قبلها صفحات كثيرة لمجازر وجرائم ربما تكون أكثر دموية. أيام قليلة ستكون كافية كي ننسى عيون أطفال انطفأت فيها شعلة الحياة وهم يشهقون ويستجدون نَفَسَاً يعينهم على استمرار نبض قلوبهم.

 

وسائل التواصل الاجتماعي تعاملت مع مجزرة خان شيخون كما في كل مأساة سبقتها. فامتلأت صفحاتنا بصور الأطفال الشهداء ومقاطع مصوّرة لأولئك الذين يلفظون أنفاسهم الأخيرة مترافقة مع عبارات غضب واستنكار وتهديد ووعيد بالثأر لأرواح الشهداء والانتقام من الذي كتم أنفاسهم. وكادت هواتفنا الذكية تحترق سخونة من كثرة الصور ومقاطع الفيديو والتعليقات التي قمنا بتنزيلها، مع ما رافق ذلك من نقاشات ومتابعة لأعداد المعجبين بما نشرنا. هي ظروف استثنائية اعتادت عليها هواتفنا وصفحاتنا الافتراضية، فسرعان ما سنعود لسيرتنا الأولى في نشر صور الطعام الذي أكلناه، والمطارات التي مررنا بها، وصور "سيلفي" في كل محطة مهمة كانت أو سخيفة من يومياتنا، وتبادل رسائل العشق والغرام والهيام بين الزوج وزوجه، وبين الحبيب وحبيبته، وبين العبد وربه، وكأن مخاطبة الخالق لاتصح إلا من خلال الشبكة العنكبوتية.

 

التظاهرات والاعتصامات وبيانات الاستنكار ورفع اللوحات الكرتونية باتوا موضة قديمة عاف عليها الزمن، وغضبنا لم يعد معترفاً به إذا لم ننشره في عالمنا الافتراضي، وحصلنا من ورائه على تعليقات وإعجابات أصدقاء افتراضيين

فيما مضى كنا نشعر بالعجز والانكسار بسبب عدم قدرتنا على مساعدة ومساندة من يتعرضون للظلم والقهر، وعدم استطاعتنا التخفيف من مآسي ومعاناة أقوام آخرين. فكان فِعْلنا يقتصر على تظاهرة غاضبة أو اعتصام استنكاري أو المشاركة في وقفة تضامنية أو حضور مؤتمر صحفي. كنا نكتب أفكارنا ومواقفنا على أوراق A4، أو لوحات كرتونية بخط يكاد في بعض الأحيان يكون غير مفهوماً. لم تكن الطابعات كبيرة الحجم شائعة، وكلفتها لم تكن بمتناول شباب غاضب لايملك أكثر من التنفيس عن غضبه. كانت كلماتنا غالباً ما تذهب أدراج الرياح وفي بعض الأحيان لم تكن تجد وسيلة إعلامية لتنشرها أو تصوّرها، لكن ذلك كان أقصى ما نستطيع.

 

اليوم، أصاب التطور الكبير الذي يحيط بنا بشظاياه الطريقة التي يجب أن نغضب فيها أو أن نستنكر. فالتظاهرات والاعتصامات وبيانات الاستنكار ورفع اللوحات الكرتونية باتوا موضة قديمة عاف عليها الزمن، وغضبنا لم يعد معترفاً به إذا لم ننشره في عالمنا الافتراضي، وحصلنا من ورائه على تعليقات وإعجابات أصدقاء افتراضيين، وإذا كانت المأساة كبيرة نظمنا حملة افتراضية من خلال هاشتاغ نشرناه. هي وسيلة أسرع وصولاً وأوسع انتشاراً لكن تأثيرها لايغادر شاشة هاتف ذكي، ولايمنح شهقة واحدة لأنفاس طفل يختنق بغاز السيرين في أدلب.

 

ربّ قائل: ليس بالإمكان أفضل من ذلك، وإن تعليقاتنا الغاضبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي باتت سبيلنا الوحيد للتعبير عما يملأ قلوبنا من حنق وعجز إزاء ما تعانيه أمتنا في أكثر من قطر عربي. فلا المساندة الميدانية متاحة، ولاتنظيم فعاليات حقيقية مسموحة في الكثير من الأقطار العربية، ولايبقى لنا إلا صفحاتنا الافتراضية نتشارك من خلالها الغضب مع أصدقائنا، نتبادل الأخبار والأفكار، نتداول في تكالب العالم من حولنا، ومدى الظلم الذي بات يحيط بنا.

 

وحين تقترب بطاريات هواتفنا من النفاد، نصلها بالشاحن الكهربائي ونضع رؤوسنا على مخدات أسرتنا، تعلو وجوهنا ابتسامة عريضة، سعداء بالإنجاز الكبير الذي حققناه على صفحاتنا الافتراضية. خطورة هذا الواقع تكمن في أن العام الافتراضي بات نهجاً لامتصاص غضبنا دون ترك أي أثر حقيقي على الأرض. والخوف كل الخوف هو أن تتغير الظروف، ويصبح بالإمكان المشاركة الميدانية، ويكون مسموحاً تنظيم فعاليات حقيقية كالمظاهرات والاعتصامات والوقفات التضامنية، لكننا اعتدنا التقاعس والتكاسل، والغرق على كنبة في زاوية المنزل، نداعب بأصابعنا عالمنا الافتراضي، نشن الحملات والتظاهرات الافتراضية، ونحن نظن أننا بذلك قد أنجزنا شيئاً.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال مستشار رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري الحكومي محمد عبد الجليل، أمس الأربعاء، إن تعداد المصريين بالداخل والخارج تخطى مئة مليون نسمة.

رصدت تلغراف جانبا من المأساة المروعة التي خلفها الهجوم الكيميائي الذي شنه النظام السوري على بلدة خان شيخون بريف إدلب شمال سوريا يوم الثلاثاء، وأودى بحياة المئات معظمهم من الأطفال.

الأكثر قراءة