بين الكيماوي والتحرش.. فلسفة المصائب

كلها مجازر

أعرف الكثير من الإخوة والأخوات السوريين والسوريات وغيرهم سيلومونني على مثل هذه المقاربة بين فجيعتين، إحداهما تودي للموت الشنيع، الموت الذي يدمر الجسد ويسحب الروح شيئاً فشيئاً، وأخرى تبدو وكأنها حدث عابر يمكن تجاوزه. ولكنني لم أستطع سوى أن أراهما معاً. عملي يفرض على أن أدرس الفواجع، كيف يعبر عنها الناس، كيف يؤرخون لها، كيف يحققون التجاوز، وكيف يستخدمونها فيما بعد لتحقيق نوع من البوصلة الأخلاقية. بعد الهولوكست قال الناس: Never Again  ولكنه حصل ثانيةً وثالثةً ورابعة وعاشرة. ليس بالضرورة أن يقوم هتلر من قبره ويقتل ملايين البشر حتى نعترف بذلك. كما أننا لا يجب أن نرتب فواجعنا حسب أيها يقتل وأيها يؤذي ثم أيها لا يهم كونه مجرد إزعاج بسيط يكدر صفو حياتنا اليومية.

 

في علم النفس الاجتماعي هناك مصطلح the boomerang effect والبوميرانغ هي لمن لا يعرف تلك الأداة التي يستخدمها ماوكلي فتى الأدغال ليصيد الطيور، يقذفها فتعود إليه مرة أخرى. وقد استخدم هذا التشبيه لمحاولة تفسير الكثير من الظواهر الاجتماعية والسياسة في أوربا تحديداً، فقيل أن الهولوكست ليست سوى محاكاة أو إعادة إنتاج لحقبة الاستعمار ومافعله المستعمر الأوربي بالشعوب الأصلية، والقمع البوليسي في الستينيات كان انعكاساً لسلوك السلطات في مناطق النفوذ سابقاً. لذلك فنحن عندما نتعامل مع الفاجعة بكل صورها نغفل عن حقيقة أنها كلها متشابكة يغذي بعضها بعضاً، المجتمعات التي تستمرئ الاعتداء الجسدي غداً سوف تستمرئ القتل. وقد حدث أمام أعيننا ليس ما أقوله ضرب خيال ولا مبالغة، عندما تعيش في محيط يقول لك بأنه من الطبيعي أن تمشي الفتاة في الشارع وتمتد إليها الأيدي بحرية ودون حساب ولا عقاب وعليها أن تتقبل ذلك فهو يحدث للكل ثم إن عليها هي أن تتجنب المواقف التي تتسبب لها في مثل هذه المضايقات، ستأتي وقد أصبح عمرها 35 عاماً وتننظر إلى رفيقتها ونعال الأحذية تدوسها وتكشف جسدها وتعتدي على حرمتها وتقول: ما الذي ذهب بها إلى هناك؟

 

عندما قرأت وصف أحد الأطباء لمراحل الموت بالكيماوي تذكرت روايات المتعرضين للاعتداء والتحرش الجنسيين وقلت في نفسي الفرق بينهما أننا ندفن هنا جثة ولكن في الأخرى فنحن لا نرى شيئاً ندفنه، والموت يتحقق كثيراً في الحالتين

قبل أن أبدأ بكتابة هذا المقال كنت أشارك موقفاً ظريفاً مرّت به طفلتي مع الأصدقاء، ثم ظهرت أمامي صور أطفال خان شيخون فأصابني إحساس بالعار دفعني إلى مسح ما كتبت. بعد قليل ظهر ذلك الهاشتاج الذي يتحدث عن حالات التحرش #أول_محاولة_تحرش_كان_عمري وقرأت بعضاً من المواقف المحكية، ثم ظهرت أمامي تعليقات ساخرة أغلبها لذكور يرون فيما تحكيه الفتيات مبالغات لا داعي لها، ثم ظهر أمامي منشور لشخص يقول بأنه كرجل يتأذى من التحرش لأنه جعله محط شك من قبل النساء فلم تعد الفتيات يثقن في أي شاب ويفترضن سوء النية. والحقيقة أن هذا المنشور تحديداً هو الذي قصم ظهر البعير بالنسبة لي، لأنه قام بما نسميه نحن في دراسات الذاكرة والفاجعة appropriating traumatic experiences وهو أمر نقوم به جميعاً بصفة شبه يومية، كأن يقول أحدهم: والله اليوم كنت حموت لولا ستر ربنا! السيارة مرت من قدام وجهي بالضبط. فيرد الآخر: وأنا والله شرقت وأنا بشرب العصير. ولكن عندما يحدث في سياق كهذا، في سياق لا يمكن بحال من الأحوال أن يتساوى فيه وهم هذا الشخص من الضرر، والضرر الأصيل في نفس وجسد من تعرضت للاعتداء الجسدي أو التحرش فإن الأمر يصل لمرحلة الجريمة الأخلاقية.

 

لماذا أقول كلها مجازر؟

عندما قرأت وصف أحد الأطباء لمراحل الموت بالكيماوي تذكرت روايات المتعرضين للاعتداء والتحرش الجنسيين وقلت في نفسي الفرق بينهما أننا ندفن هنا جثة ولكن في الأخرى فنحن لا نرى شيئاً ندفنه، والموت يتحقق كثيراً في الحالتين. أحمد الله أنني تربيت في منزل لم يسمح لشيء من هذا أن يحدث لي، كنت آخذ على والدي وأنا صغيرة أنه كان يرفض بشكل قاطع أن نرتدي كفتيات بعد سن الخامسة تقريباً ثياباً كاشفة أو قصيرة، ولا أن نتعامل مع رجال بصورة تتعدى السلام باليد إن لزم الأمر ولا شيء يزيد عن هذا، لم يكن يسمح لنا بزيارة بيوت لا يعرفها ولا صديقاتنا إلا بعد تحقيقات وأسئلة وإن كان عندهن إخوة كبار أصبح الأمر شبه مستحيل.. كنت أعتقد أن أبي يعاني من الوسواس، ولكن يبدو أنه كان يعرف عن هذا العالم أكثر مما أعرف بكثير.. كنت أسأل هل نحن فقط "المتربيين" وولاد الناس لأ، ولكن أعتقد أن سؤالي كان خطأً.. ليست مهمة أبي أن يحافظ على مشاعر الغرباء.. مهمته أن يحافظ على سلامة أطفاله.

 

منذ أسابيع ظهرت أمامي حلقة لأوبرا أبرز مقدمة برامج حوارية أمريكية في برنامجها القديم تعرض لتجربة صبي في السادسة من العمر تعرض للاعتداء الجنسي من قبل والدته لمدة 3 أعوام، البعض سيسأل كيف يمكن أن يحدث ذلك ولكنه يحدث، وفي مرة أخرى عن فتاة استغلها والدها لنفس الغرض لفترة من الزمن، وآخرون كان الجاني هو العم أو الخال أو الصديق. في "عالمنا الإسلامي" اقرؤوا عن تجارة الأطفال لأغراض جنسية كما تحدث في أفغانستان وباكستان حتى يومنها هذا، واقرؤوا عن الاعتداءات على الأطفال من قبل الأقارب ونسبها في مجتمعاتنا الأكثر "محافظة" والأكثر حرصاً على حماية النساء من الفتنة. اقرؤوا عن تلك العصابات في دول اسكندنافيا وشرق أوربا وفي أفريقيا وحتى في مخيمات اللجوء في اليونان. لا ليس الأمر نادراً ولا غريباً كل القضية أن الضحايا لا يستطيعون الكلام.

 

سنستفيد من البحث في الطريقة التي ينتحب بها الناس، أو التي يحكون بها عن معاناتهم، أو التي يتجاوزون بها فواجعهم أننا سنتوقف عن التعود، سنتوقف عن التفكير بأن أقصى ما يمكننا فعله هو فتح دار العزاء، سنتعلم أن أقل معاناة نوقفها اليوم ربما توقف النكسات الكبيرة غدًا

نظرت إلى الأطفال الذين ألقيت أجسادهم شاحبة على الأرض، لم أجبر نفسي على تخيل التجربة هذه المرة، لم أفكر كيف بدأ الأمر، ولا كيف اختنق النفس ولا كيف تكسرت الأضلاع من شدة النوبات، قلت الآن هم في مكان أفضل، الآن لا ألم ولا محاولة للنجاة من الوحوش، كل الوحوش، بكل وجوههم وبكل أسلحتهم. ثم نظرت إلى روايات الضحايا تحت ذلك العنوان، أطفال أيضاً كانوا في الخامسة والسادسة والثانية عشر.. قلت لا نستطيع أن ننقذ الأموات من الموت، ولكن هل يمكننا أن ننقذ الأحياء؟ هل يمكننا أن نتوقف عن تفريخ مسوخ يستمرؤون الأجساد اليوم والأرواح غداً؟ ليس علينا أن نقارن الفواجع ونرتبها وفق أيها أشد وأكثر تنكيلاً، ليس علينا أن نلتفت إلى واحدة ونغض الطرف عن الأخرى لأن مجزرة كيميائية تتطلب نحيباً أعلى من مجزرة إنسانية.

 

يسألني البعض وماذا تفعلين بدراستك هذه؟ ماذا سنستفيد من البحث في الطريقة التي ينتحب بها الناس، أو التي يحكون بها عن معاناتهم، أو التي يتجاوزون بها فواجعهم. ما نستفيده هو أننا سنتوقف عن التعود، سنتوقف عن التفكير بأن أقصى ما يمكننا فعله هو فتح دار العزاء، سنتعلم أن أقل معاناة نوقفها اليوم ربما توقف النكسات الكبيرة غدًا. نتعلم أننا لسنا مركز الكون، وأننا لا نعيش في فقاعة، نتعلم أن نحس ونشعر بدلاً من العالم البلاستيكي والمعدني الذي نرى العالم من خلاله. ننظر إلى الصور والفيديوهات ولكننا آمنون في حيزنا الخاص فالغاز لا يعبر الأسلاك والصواريخ لن تقفز من الشاشات. ولكن عندما نفهم أن تلك اليد التي امتدت إلى سكين أنهت حياة إنسان هي امتداد لليد التي هتكت حرمة طفلة صغيرة تلعب في شارعنا.. يصبح الأمر مختلفاً.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال مستشار رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري الحكومي محمد عبد الجليل، أمس الأربعاء، إن تعداد المصريين بالداخل والخارج تخطى مئة مليون نسمة.

رصدت تلغراف جانبا من المأساة المروعة التي خلفها الهجوم الكيميائي الذي شنه النظام السوري على بلدة خان شيخون بريف إدلب شمال سوريا يوم الثلاثاء، وأودى بحياة المئات معظمهم من الأطفال.

الأكثر قراءة