الأدب الأفغاني بين أزمة الهوية والانفتاح الثقافي

إن غياب النقاد والباحثين في مجال الأدب الأفغاني المعاصر، يجعل منه أدبا نادرا وغير معروف عند العامة من القراء في العالم. نحن لا ننفي وجود باحثين في أفغانستان وإيران وباكستان، يهتمون بالأدب الأفغاني، لكن أبحاثهم تبقى منحسرة في بلادهم بسبب اللغة الفارسية. كما أن جل المقالات المنشورة بالفرنسية والإنجليزية والعربية، والتي تتطرق لهذا الأدب، لا تعكس كل الجوانب، والسمات، التي يتميز بها هذا الأخير، عن غيره من العوالم الأدبية العالمية. إنها مقالات صحفية، تفتقد إلى البعد النقدي والحس الأكاديمي في معالجة هذا الفضاء الأدبي المتميز، بمواضيعه وأسلوبه ولغته. ولعل من أبرز المواضيع، التي لا ينفك يتطرق إليها الأدب الأفغاني، هو مشكل الهوية أو أزمة الهوية الناتجة عن الغربة والاغتراب في بلدان أخرى. إذ إن الهوية تشكل أساس النصوص الأدبية الأفغانية لما تشكله من أزمة وجودية عميقة، تدفع بالكاتب الأفغاني إلى إحياء كل الروابط الوجدانية والروحانية، التي تربطه بموطنه.

وعليه، فإن أزمة الهوية تخلق لدى الكتاب الأفغان نوعا من الاغتراب في الكتابة، الناتج أساسا عن الحنين المتكرر وغير المنقطع للأرض الأم، التي يتواصل معها من خلال النصوص الأدبية المستمدة من تجارب واقعية معاشة تركت وشما في مخيلتهم. ففي رواية ’’الأرض والرماد’’ للرائع عتيق رحيمي، يحكي الكاتب بلغة دموية واقع بلده مصورا للقارئ عمق الجرح، الذي أصابه عندما كان في أفغانستان. فعنوان الرواية لوحده كفيل بأن يقدم لنا صورا عن هذا البلد البعيد المتناقض في كل شيء. كما أن روايته ’’حجر الصبر’’ تعري واقع المرأة المر المحرومة من أبسط الحقوق، خاصة الحق في الكلام. وعلى ذلك، فإنها رواية تصور المجتمع الأفغاني على شكل جثة في صورة رجل أصابه الشلل، نتيجة قِتاله في الحرب. رجل يسمع ويرى فقط، لتستغل زوجته الفرصة وتبوح ما في داخلها دون خوف أو تردد. هنا تعلنها هذه المرأة ثورة ضد التقاليد والأعراف. لكن المهم هو أن أزمة الهوية التي تعاني منها شخصيات الرواية، هي نفسها الأزمة التي يعاني منها الكاتب.

فإذا تأملنا جميع أعمال الكاتب، سنجده في كل عمل أدبي يترك بصمة أو سمة لهذه الأزمة التي لا يمكنه تجاوزها. ففي كتاب ’’العودة الخيالية’’ كتب عتيق رحيمي: "أريد أن أصور هذه الجروح، قبل أن تأتي لتصوّر كابول، جاء قبلك مصورون كبار والتقطوا أروع الصور، بالطبع صوّروا الجراح نفسها، لا أبحث عن الجمال، أبحث عمّا يعيد أحاسيس إنسان يشعر بالألم، وهو يرى ويشاهد عن قرب ندوب هذه الجراح في كلّ مرّة، عندما نرى هذه الندوب التّي لا تندمل نعجز عن نسيان الألم، لذا لا تنسَ، هذه ندوبي أنا، ولهذا أنا أبحث عنها حتى لا أنسى".

أزمة الهوية، تحولت إلى جرح عميق يعاني منه الكتاب الأفغان بوجه عام، وللتخفيف من وقع هذا الألم لعب الانفتاح الثقافي على ثقافات بلدان أخرى دورا مهما في تطوير هذا الشعور الوجودي.

إن "العودة الخيالية"، هي بمثابة عودة متخيلة إلى أرض يحلم بها الكاتب دوما، ذلك لأن الكاتب الروائي يعتقد أن الكتابة وحدها لا تكفي لرسم الجرح العميق، ولا تستطيع أن تجعله يحس نفس الإحساس، الذي عاشه في الماضي. وبالتالي لا يمكنه تجاوز الأزمة (أزمة الهوية) التي يعاني منها، كما أنه لا يمكن له أن يتخلص من الكابوس، الذي يطارده كل ليلة. فأزمة الهوية، هي قبل كل شيء أزمة وجود وانتماء إلى موطن بعيد كل البعد عن الجسد، لكنه مترسخ في الروح ومتجدر في الدم. الأمر الذي يعني أن الكاتب قد جعل من أفغانستان أرض الحلم رغم الحرب والدم. وليس عتيق رحيمي من يعاني من هذه الأزمة، فجل الكتاب الأفغان يعانون أزمة الهوية، وتظهر من خلال التضارب الثقافي والعودة المستمرة إلى الأصل في الكتابة والتخيل.

ومن ثمة، يمكن القول، إن الأنا في حالة فوضى، وقد شبهها الكاتب بالصفحة البيضاء، التي تفتقد إلى الكلمات، إذ مهما حاول كتابة شيء على هذه الورقة يتبخر ويختفي، وهنا يخاطب الكاتب القارئ في كتاب ’’العودة الخيالية’’ قائلا: "لم يكن أحد يفهم لغتي، وانتهى بي المطاف بالتخلي عن الكلمات واللجوء إلى الصور. لقد مسحت كل شيء من الذاكرة". وهكذا يتضح، أن أزمة الهوية هاته، هي بالأساس نتاج للحنين والمنفى، والفوضى الناتجة عنهما ليست سوى تعبير صريح وعميق عن ذات الكاتب، التي اصطدمت مع واقع تدمير أفغانستان وتحويلها إلى أشلاء ورماد. إن هذه الصدمة خلقت نوعا من اللااستقرار النفسي، الذي لم يستطع الكاتب التعبير عنه من خلال الكتابة.

إن أزمة الهوية، تحولت إلى جرح عميق يعاني منه الكتاب الأفغان بوجه عام، وللتخفيف من وقع هذا الألم لعب الانفتاح الثقافي على ثقافات بلدان أخرى دورا مهما في تطوير هذا الشعور الوجودي، وتحويله إلى طاقات إبداعية لا مثيل لها. بل ويكفي أن نقرأ كتاب ’’نزهة القلم’’ لنتبين الدور الذي لعبته الثقافة الهندية والصينية والفرنسية في تغير نظرة عتيق رحيمي للحياة والأشياء. وفي هذا الصدد، نشير إلى أننا كتبنا مجموعة من المقالات بالفرنسية، تطرقنا فيها لحوار الثقافات والتداخل الثقافي بين الأدب الأفغاني والصيني والهندي والفرنسي. فثقافة الآخر والانفتاح عليها لعب دور المنقذ من الضياع، ذلك أن الكاتب الأفغاني يحس بالتيه والضياع والغربة المظلمة بعيدا عن موطنه الأصل. لذا فقد لعب الأدب الفرنسي دورا مهما في تطوير آليات الإبداع والتأمل عند عتيق رحيمي، والشيء نفسه عند سبونجماي زرياب، ومحمد حسين محمدي، وخالد حسني.

الأدب الأفغاني أدب الأزمة وحوار الثقافات. ولعل هذا ما يجعله منفردا عن باقي العوالم الأدبية الأسيوية والعالمية. فقد أصبح هذا الأدب اليوم ينافس باقي عوالم الأدب العالمية.

إن الانفتاح على الثقافات الأخرى زاد في غنى وتميز الأدب الأفغاني. مما جعله لا يتوقف عن تطوير نفسه وتحديث أساليبه وآلياته الفنية، لدرجة أنه أضحى يتميز بكونه أدب الثقافات المتعددة والحوار والغربة والتصوف. ومما يميزه، كذلك، جانبه اللغوي، فاللغة التي يستعملها الكاتب الأفغاني تميل إلى الشعرية والتصوف، نظرا لأنها لغة إيحائية بطابعها، واستعارية بخيالها، حيث تجعل من الوجود وانعكاسات الأنا منطلقا نحو الالتقاء والحوار مع الآخر.

وعلى العموم، لا يمكن التطرق إلى أزمة الهوية والانفتاح على الثقافات الأخرى من خلال مقال أو بضعة مقالات. فالأدب الأفغاني أدب عميق مهما حاولنا التطرق إليه، إلا وأغفلنا شيئا. لذا فما نقوم به ليس إلا مجموعة من المقاربات، نحاول بواسطتها تقريب القارئ العربي من هذا الأدب، الذي يعاني من كل شيء: نقص القراء ونقص الباحثين والنقاد ونقص الترجمة. إذ إن النصوص المترجمة قليلة جدا، وما ترجم يهم وحسب الكتاب المعروفين من مثل: خالد حسني وعتيق رحيمي، اللذان يعتبران من الأكثر حظوة واستفادة من الترجمة إلى اللغة العربية، وذلك بسبب الجوائز العالمية التي حصلت عليها أعمالهم الأدبية.

وخلاصة ما تقدم، إن الأدب الأفغاني أدب الأزمة وحوار الثقافات. ولعل هذا ما يجعله منفردا عن باقي العوالم الأدبية الأسيوية والعالمية. فقد أصبح هذا الأدب اليوم ينافس باقي عوالم الأدب العالمية، خاصة وأن السينما الأفغانية ساهمت في انتشار هذا الأدب، وتقريبه من الذين يجهلون وجوده في ربوع المعمور.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تتباين الآراء بشأن عالمية الأدب العربي من حيث الانتشار والإشعاع والتداول، لكن هناك شبه إجماع على أن هناك أعمالا أدبية كتبت بلغة الضاد وكان لها صدى خارج العالم العربي.

لا تزال العاصمة الكوبية هافانا شاهدة على مرحلة طويلة من مسار الكاتب الأميركي إرنست همنغواي (1899-1961) حيث عاش آخر ثلاثة عقود من عمره وكتب أهم أعماله الأدبية.

دعا الشاعر المغربي عبد السلام بوحجر للتخلص من عقدة الشرق، وتحدث عن غياب الرموز الشعرية في بلاده خلافا لأسماء مغربية تألقت عربيا ودوليا خاصة في مجال الفلسفة والنقد الأدبي والفكر.

أجمعت نخبة من الكتاب والنقاد المغاربة والمصريين بالرباط في ندوة تكريمية للأديب الراحل جمال الغيطاني (1945-2015) أن صاحب "الزيني بركات" كاتب بصيغة الجمع، وضع إبداعه الأدبي في قلب سؤال الهوية.

الأكثر قراءة