صديقتي البوسنية

blogs-posnia
قرب أحد فنادق اسطنبول كانتْ تُمسك لي حقيبة السفر وترافقني إلى الحافلة التي ستوصلني إلى المطار، تواعدنا ألا ندمع لكنني لم أستطع، كانت هي أقوى مني، سارتْ الحافلة ويدها التي تلوِّح لي كانت آخر ما رأيت.. إذ أن الدمع تكاثف في مُقلتيّ فما عِدتُ أستطيع رؤية تفاصيل هذه المدينة للمرة الأخيرة.. نسي السائق طالباً فعاد إلى الفندق، وفي حين انتظاره صعدتْ هي إليّ وأطلقنا زفرات وداعٍ جعلتْ هيئة اسطنبول تذبل حزناً على أن كانت هي أرض فراقنا.

"آمنة" صديقتي البوسنية، تصافحنا للمرة الأولى في مدينة غيرسون في شمال شرق تركيا، في بعثة تعليمية ترفيهية جمعتْ الشرق بالغرب، وربطتْ القلبَ بالقلب، بعيداً عن البلد واللغة واللقب. بعد يومٍ من الوصول سألتني إن كنتُ أودُّ مرافقتها إلى المسجد القريب من السكن، أجبتُ بالقبول، وسِرنا تلك الليلة لصلاة العشاء، وما تفرَّقت طرق قلوبنا بعدها.

علمتُ بعد تلك التجربة أنه قد يكون نظيرك الروحي في الطرف الآخر من هذا الكون، قد لا تفهم لغته، وما زرتَ بلده، لكن صدِّقني هذه المسميات والحدود كلها أشكالٌ وهمية.

كنا نعيش بين مجموعة متعددة الأديان والبلدان، لكنها كانت الملجأ المُنقذ من غربة الروح هناك، توقظني لصلاة الفجر، ترافقني إلى المسجد في كل وقت صلاة رغم صعوبة هذا الأمر هناك، لكثرة النشاطات مع الفريق وقلّة المصلّين فيه، نقرأ القليل من القرآن في الطريق لكل مدينة جديدة نزورها، كانت تُجيد قراءته دون أن تفهم معناه، وتُصلِّي على رسول الله دون أن تتحدث لغته، ولم أرها يوماً تُصلِّي فرضاً بدون السنة.

لم تكن من دولة شائع فيها كل تلك الطقوس، لكن كانت تقوم بها على الملأ، بكل رغبة وحُب، واليوم الفتاة في مجتمعنا العربي – أصل الدين الإسلامي – إما أن تخجل من فعل كل ذلك كي لا يُقال عنها متشددة، أو تفعله وهي تنظر نظرة دون لكل مَن لا يفهم الدين فتُكرّه الناس به، إلا ما ندر.

آمنة لم تكن كذلك، كنا نجلس سويّة مع الملحد، المسيحي، الشيعي، السني، العربي، الأوروبي، الآسيوي… ولا نلقى إلا كل حب و احترامٍ لاعتقاداتنا الدينية. لغتنا المشتركة هي التركية فحسب، نحاول قدر الإمكان التفاهم بها حيث أصبحت أحاديثنا تطول مع مرور الأيام، والمواضيع تتعمق، وبالتالي الروح تقترب من نظيرتها، والقلب يألف شبيهه، والنفس تسكُن بحضرة هذا الجمال المضاعف، كانت تسألنا المشرفة: هل أتيتما من رحمٍ واحد؟ وكان ينادينا صديقٌ آخر من البوسنة بالأخوات.

تعارفنا، علاقتنا، وفراقنا، كله كان ضمن أربعين يوماً، لكننا تركنا في مُدن تركيا الكثير من أثر رابطة أرواحنا. علمتُ بعد تلك التجربة أن قد يكون نظيرك الروحي في الطرف الآخر من هذا الكون، قد لا تفهم لغته، وما زرتَ بلده، لكن صدِّقني هذه المسميات والحدود كلها أشكالٌ وهمية تجعلنا نظنّ أن بها تُحدّد المسافات بين الأشخاص، وها هي الآن في سراييفو وأنا في عمَّان، نتجرع الشوق لكننا مازلنا نصل إلى بعضنا بنبضٍ صادق وروحٍ نقية.