بين النقد والتحطيم!

blogs التحطيم

حين تعصف بنا الظواهر وتعترضنا المشاكل نختلف فيما بيننا بين منكر ذي نقد ومؤيد ذي رد، وآخر واقف على الحياد، لا يريد لصوته أن يضيع في الضجيج! وبعيداً عن تلك الظواهر ومكنونها، وبين يدي "ظاهرة النقد" نفسها، التي طالما سعينا إليها، وارتسمت مؤخراً وبشكل جليّ أماننا، أسطر هذه النقاط:
 

أولاً: النقد ظاهرة صحية، تنقي المجتمع من درنه وترفع مستوى ما يحويه من أفكار وما ينتجه من أعمال، والعمل النقدي هو أساس علمي في كثير من العلوم والفنون، وله رواده ومحبوه، والعالم اليوم يحوي الكثير من المتخصصين في النقد، عملهم اليومي وديدنهم هو النقد وإبراز وجوه القصور، ولكن هذا كله بالتأكيد في اتجاه ومحور إيجابي، وتحت قواعد علمية لا تنفد منها شهوة او شبهة حقد أوحسد، بحيث يتم ضبط النقد ليكون أداة تقويم وبناء لا مدخلاً لتدمير الأشخاص وأعمالهم.
 

ثانياً: من الجميل أن يكون نقدنا موجهاً نحو عمل الشخص لا ذاته، ونحو إنتاجه لا نواياه التي يخفيها في صدره، فالنوايا لا يعلم بها إلا الله، وما يظهر لنا هو إشارات قد تكون صحيحة أو خاطئة، ولا ينفع معها بناء نظرية يتم الترويج لها وكأنها برهان قاطع.
 

يصل الظن ببعض الناقدين إلى الشعور بأنهم أوصياء على المجال الذي يقفون فيه، وأنهم حراس عليه، وأن الآخرين هم مجرد مخبولون مهابيل، لا يدركون الغث من السمين

وقد يقول البعض أن نقد العمل لا ينفك عن نقد الشخص، فهما مترابطان متلازمان، وقد اتفق جزئياً مع هذا الرأي في الظواهر التي ترتبط بشكل كبير بشخص الإنسان، لا الظواهر العامة التي ينفع معها علاج "ما بال أقوام"، والتي نبغي من خلالها العنب لا إغلاق خط الرجعة أمام الناطور! وفوق كل ذلك، فمهاجمة الشخص وتجريحه ومحاولة إهانته تختلف تماماً عن ذكر عيوبه بشكل متجرد، والسامع يدرك الفرق بينهما.

 

ثالثاً: يصل الظن ببعض الناقدين إلى الشعور بأنهم أوصياء على المجال الذي يقفون فيه، وأنهم حراس عليه، وأن الآخرين هم مجرد مخبولون مهابيل، لا يدركون الغث من السمين، يضحك عليهم المشاهير وذوي الأصوات العليا في الوسائل الاجتماعية بكلمات تدغدغ مشاعرهم وتغيبهم عن وعيهم، وأنهم لا يصلون إلى لب الحقيقة الذي وصلوا إليه، وهذا غير صحيح بالمطلق، وإن كان البعض لا يرى الزاوية التي تتحدث منها، أو لا يدرك كامل الحقيقة التي تعرفها، ولكننا أصبحنا في عالم لم تعد تغيب فيه كامل الحقيقة عن الجميع.
 

رابعاً: بالتأكيد ليس من العيب أن ننتقد، ولكن من العجز أن نترك أعمالنا وأشغالنا ونلتفت بشكل كلي لانتقاد غيرنا، متتبعين أعمالهم وملتقطين فلتات لسانهم، ومسجلين كل شاردة وواردة، حتى نصل في النهاية إلى حبكة مناسبة نعرضها أمام شاشات غيرنا لنرضي غرورنا.
 

وأتساءل دائماً: يا ترى ما هو نوع النشوة التي تنتابنا ونحن نحطم غيرنا، هل هي نشوة سوسيولوجية مرتبطة بنظرة مجتمعاتنا؟ أم نشوة سيكولوجية مرتبطة بأمراضنا؟ أم فسيولوجية ربطت على سلم نمونا؟ فتكسير المجاديف وتحطيم الأشخاص غدت هواية يمارسها البعض في طريقه نحو نجاحه، ظناً منه أنه يصل بطريقة أسرع، وهو لا يعلم بأنه يحطم شخصه ويكسر مجاديفه قبل أن يفعل ذلك بالآخرين، ولا يعلم أيضاً بأننا وإن كنا نتفق مع بعض ما يرمي إليه إلا أننا لا نرضى منه هذه الوسيلة، بل نعافها ونرفضها بشكل كامل.
 

خامساً وأخيراً: يقول ابن حزم رحمه الله: من تصدر لخدمة العامة، فلا بد أن يتصدق ببعض من عرضه على الناس، لأنه لا محالة مشتوم. وهذه هي الحقيقة المرّة لمن واجه الناس وبادرهم، فهو قد كشف نفسه وعرضها لهم، وعليهم تحمل ذلك، فهذا ديدن الحياة وهذا طريقها، فإما أن تختار المواجهة والصبر، وإما أن تختفي في الزحمة والقاع، حيث يريد لك أعداؤك وبعض من ناقديك.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان