شعار قسم مدونات

بين التغني بالسعادة وبين تحقيق شروطها الطبيعية

blogs - happy sad

يتربع الحق في الحياة السعيدة مكانته السامية في سلم حقوق الإنسان التي يجب أن تعمل الحكومات على توفيرها وحمايتها، ولكن الوصول إلى التمتع بهذا الحق يأتي بعد ترسيخ حقوق الإنسان الأساسية التي لا معنى للحياة ولا للرفاهية ولا للتنمية بغيابها. فالحاجة إلى الحرية والحياة الكريمة والعدالة والمشاركة السياسية والأمن حاجات أساسية لا يمكن الاستعاضة عنها أو مقايضتها بأي ثمن ولا تخضع للمساومة. وتلبية هذه الحاجات شرط أساسي لتحقيق السعادة بعيداً عن لعبة مساومة الحقوق بالرفاهية.

 

ولا معنى للحديث عن السعادة قبل توفير الحاجات والحقوق الأساسية التي تضمن التمتع بالسعادة الإنسانية الحقيقية. فكيف يمكننا يا سادة أن نتحدث عن السعادة في غياب الشعور بالأمن في أجواء مصادرة حرية التعبير؟! وكيف يمكننا يا سادة أن نتحدث عن السعادة في غياب الشعور بالانتماء الذي حرم منه الإنسان بقمع حريته في الاختيار؟! وكيف يمكننا يا سادة أن نتحدث عن السعادة في غياب العدالة ومؤسساتها الحرة والمستقلة؟!

 

من الطبيعي أن تتصدر الدول العشر الأولى في تطبيق الديمقراطية والحكم الرشيد قائمة الدول العشر الأكثر سعادة على مستوى العالم.

إن تلبية هذه الحاجات تأتي في سلم أولويات الدول، وبتحقيقها يمكن أن نتحدث عن الحق في السعادة، وبدونها لا يمكن أن تتفتق أزهار السعادة ونتنسم أريجها الفواح. فسعادة الشعوب نتاج طبيعي للعمل الإصلاحي الذي تنتهجه الحكومات في تحقيق العدل والنزاهة وحماية الحريات والدفاع عن الحقوق دون تمييز، وتحقيق المشاركة السياسية والاجتماعية في ظل حكم رشيد ديمقراطي، ولهذا فإن الطبيعي أن تتصدر الدول العشر الأولى في تطبيق الديمقراطية والحكم الرشيد قائمة الدول العشر الأكثر سعادة على مستوى العالم.

 

ومن المعايير المضللة في معايير السعادة العالمية قياس مستوى السعادة بمستوى الثراء الاقتصادي والإنفاق أو نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي، مع إهمال غياب الحرية وتصاعد القمع الأمني واستشراء الفساد واحتكار السلطة، لأن أمثال هذه المعايير تتعامل مع الحاجات الحيوانية للإنسان وتتجاهل الحاجات الإنسانية الأساسية اللازمة لحياة إنسانية كريمة.

 

السعادة يا سادة ليست شعاراً للتغني أو قناعاً في ظاهره الرحمة ومن باطنه من قبله التعذيب والقمع وتكميم الأفواه. وعندما تتوفر السياسات الإصلاحية التي تنتج السعادة فإن السعادة ستكون محصلة للإصلاح وليست شعارا يستخدم للتمويه أو للتحايل على مطالب الإصلاح.

 

والسعادة الشعاراتية السطحية مجرد مغالطة وتمويه ينطوي على غش وخداع للنفس ينتهي في آخر المطاف على المستوى الشخصي باضطرابات نفسية تصل إلى الاكتئاب والهروب إلى عالم المخدرات لتغييب الوعي فراراً من الواقع، وينتهي على المستوى الاجتماعي بأمراض مجتمعية من أهمها الكذب والغش والرياء والنفاق.

 

ختاما نؤكد أن طريق الفرد إلى السعادة هو العمل الصالح وأن طريق الحكومات إلى تحقيق السعادة هو تحقيق الإصلاح وبدون ذلك فإن الحديث عن السعادة مجرد مسكنات أو بيع للأوهام لإلهاء الرأي العام عن متطلبات تحقيق السعادة من إصلاحات سياسية تضمن الحياة الكريمة في مناخ صحي بعيداً عن القمع والفساد.