خلال الشهر الماضي احتدم جدل كبير في الأوساط الإعلامية على مستوى العالم على وقع تقارير متناقضة تبرئ تارة وتدين تارة أخرى الشيخ التركي "فتح الله غولن" من تهمة إدارة انقلاب يوليو الماضي التي وجهتها له النيابة العسكرية التركية مؤخرا.
أحد أهم التقارير التي صدرت في الفترة الماضية كان التقرير البريطاني الذي قامت الجزيرة بعرضه والذي خلص إلى أنه ربما يكون للشيخ "غولن" دور فعلا في محاولة الانقلاب العسكري وأعقب ذلك خروج تقرير تركي قام بإعداده الصحفيان التركيان "يلديراي أوغور" و"جيرين كينار" وقام بعرض سلسلة مما اعتبرها أدلة على تورط الشيخ "غولن" في انقلاب صيف 2016. ويضاف إلى هذين التقريرين المهمين جدا تقريرٌ لصحيفة "دير شبيغل" الألمانية تتحدث فيه عن مصدر في المخابرات الألمانية بلغها أن المخابرات الألمانية على قناعة تامة بأن التحرك الانقلابي لم يكن بقيادة "غولن" بل كان تحركا عسكريا بحتا لم تكن تقف وراءه أي قوى سياسية مثل أي انقلاب كلاسيكي في العالم الثالث.
يصر أنصار الشيخ "فتح الله غولن" على نفي أي صلة لهم بالانقلاب وعلى أن ما حدث كان مجرد مسرحية هزلية قام بفبركتها أردوغان ليعطي لنفسه فرصة إطلاق يده في ملاحقة المعارضة المتزايدة له بحجة حال الطوارئ. وفي الحقيقة إن هذا التحليل الذي يروجه أنصار الشيخ "غولن" لا يتعدى أن يكون تحليلا ساذجا وهروبا للأمام.
بالتأكيد الجنود الذي أُرسلوا إلى فندق "مارماريس" لاغتيال الرئيس أردوغان لم يكونوا يلعبون الكاميرا الخفية بل كان ينفذون أوامر قيادتهم العسكرية بقتل رمز الشرعية الدستورية الرئيس أردوغان من أجل إحداث فراغ سياسي يكون معه انقلابهم مبررا، ولكن المشيئة الإلهية هي التي أرادت أن تفشل خطتهم ويستطيع أردوغان الهروب من المكان ثم مخاطبة أنصاره من خلال هاتف نقال لصحفية داعيا إياهم لحماية الشرعية الدستورية ولإسقاط الانقلاب العسكري وكانت الملحمة.
| تلك المواقف التي اتخذتها جماعة "الخدمة" في الثمانينيات من أجل حقن الدماء وعملاً بمبدأ الحاكم المتغلب مثل ما فعل حزب النور (المصري) ومن يتهم "الخدمة" بإدارة انقلاب 15 يوليو 2016 مثله مثل من يتهم حزب النور بإدارة ما حدث في يوليو 2013 في مصر. |
التقرير الذي كتبه الصحفيان التركيان هو تقرير موغل في نظرية المؤامرة ويحتوي على قراءات تعسفية لبعض ما غرد به بعض أنصار "غولن" على مواقع التواصل الاجتماعي في الشهور التي سبقت الانقلاب العسكري، وأما التقرير البريطاني فهو تقرير يحتوي على مجاملة واضحة للحكومة التركية التي أبدت انزعاجها من قلق العالم من تعاملها العنيف مع الانقلابيين وأنصار "غولن" والأكراد، ولذلك فقد قال أحد معدي التقرير "دانيال كاويزنسكي": "اطلعنا على أدلة لا شك فيها تؤكد تورط جماعة فتح الله غولن في هذا الانقلاب الفاشل، ومن ثم قد حظينا بفرصة لفهم الضغوط التي تتعرض لها الحكومة التركية في محاولتها لإعادة السلام والاستقرار لهذا البلد بعد المحاولة الانقلابية" أي أن التقرير البريطاني خرج بموجب الأدلة التي وفرتها الحكومة التركية فقط!
إن أقرب الفرضيات وأكثرها واقعية لفهم ما حدث في تلك الليلة الرهيبة هي أن الانقلاب العسكري كان تحركا عسكريا بحتا من بعض الضباط الساخطين على حُكم أردوغان؛ بمن فيهم أولئك الضباط المؤيدين للشيخ "غولن" وهذه الفرضية هي التي قالها الشيخ بنفسه في قناة العربية في حواره الذي تم بثه لمرة واحدة ثم تم إيقاف بثه بضغط من الحكومة التركية التي أظهرت غضبها من هذا اللقاء للجهات المالكة لفضائية العربية مما جعلها تسحب الحلقة وتمنع إعادتها.
الجيش التركي في بُنيته الداخلية لا يزال كماليا مؤمنا بقيم الجمهورية التي أسسها "مصطفى أتاتورك" وهذه القيم يرى كثير من المراقبين أنها أصبحت مهددة مع صعود الرئيس أردوغان ذو التوجهات الإسلامية والحالم باستعادة الإمبراطورية العثمانية التي حكمت ثلاث قارات.
التحقيقات الأخيرة في الجيش لقادة الجيش الثاني خرجت فيها معلومات في غاية الخطورة حيث قال الكابتن "شامل طوبال" أن قائد الفوج "تورجوت جلبي" قال له أن قائد الإنقلاب هو "خلوصي آكار" رئيس الأركان ، وهذا أيضا ما قاله قائد الطائرة التي حملت الانقلابيين الذين كانوا ينوون اغتيال الرئيس أردوغان، وبأن الجنرال "شاهين مومونيزتاش" قال له إن أوامر اغتيال أردوغان خرجت من الجنرال "خلوصي آكار"، وهذه الشهادات الغريبة دفعت رئاسة أركان الجيش التركي لتفرج عن صور تظهر الجنرال "خلوصي آكار" وهو مكبل تحت القيود وهو أسير عند الانقلابيين. أي أن اعترافات الإنقلابيين ما زالت متضاربة ولازال من الصعب الجزم بمن قام بالانقلاب حقيقة. ربما يكون أردوغان اختار أن ينسب عملية الإنقلاب إلى مجموعة "فتح الله غولن" ليجمع حوله كل طوائف الشعب إسلاميين وعلمانيين ومحافظين ضد جماعة الخدمة والتي لا يحبونها بسبب مواقف سابقة لـ"غولن" أيد فيها انقلاب 1980 وانقلاب أواخر التسعينات على "أربكان".
في الغالب الأعم إن تلك المواقف اتخذتها "الخدمة" من أجل حقن الدماء وعملاً بمبدأ الحاكم المتغلب مثل ما فعل حزب النور (المصري) ومن يتهم "الخدمة" بإدارة انقلاب 15 يوليو 2016 مثله مثل من يتهم حزب النور بإدارة ما حدث في يوليو 2013 في مصر.
الجيش التركي لم يكن محتاجا لتحريض "غولن" ليحلم بالعودة من جديد إلى كرسي السلطة؛ فقد كشفت صحيفة "حرييت" التركية في الأيام الماضية أن غضب القيادة العسكرية من قرار القيادة السياسية بالسماح بالحجاب في الكليات العسكرية وفي الجيش، ورغم أن صحيفة "حرييت" اعتذرت وأقالت رئيسة التحرير إلا أنه لا يوجد دخان من غير نار.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

