شعار قسم مدونات

إنزال النص القرآني على واقع الحياة (2)

blogs - قرآن
النص القرآني كغيره من النصوص ملك للمتلقي إلا أنه نص له قدسيته التي تحفظه لأنه كلام الله، والقرآن الكريم نص منفتح المعالم ليس مجرد نص أدبي يحيل إلى فكرة معينه، ولكنه نص مزدوج المضامين والأفكار، قد يدعو إلى فكرة رئيسية التي تمثل عنوان النص وهو الدعوة إلى الله، والهداية والتحذير من الكفر والشرك، ولكنه بشكل آخر مغاير نص تربوي إنساني أدبي، نص تربوي لأنه يمثل الدستور الدائم الذي ينظم أمر المؤمنين ويهديهم إلى الذي تتعارف عليه الأخلاق والأعراف الحسنة، منها مع الإقرار أن لكل فعل أخلاقي مسوغاته التي يرتكز عليها، وهنا في النص القرآني تكمن المسوغات في الإيمان والتوحيد.

بعد هذه المسوغات ينطلق النص ليحمل العديد من المضامين التي تعمل جاهدة لحصر الأخلاق والأعراف في فكرة التوحيد والإيمان بأن هناك مُنشئ داعي لهذه الأخلاق، ومحتوى لها في نصوصه المقدسة المتعالية وهو وجود الله الخالق المُطلق، ونص إنساني بكل ما تحوي هذه الكلمة من فكرة تؤسس لمفهوم أخلاقي تربطه بأنسنة كل ماهو مقدس مثالي وإنزاله على أرض الواقع الإنساني يصدقه العقل ويعمل على الامتثال له، وتنشأ به الأخلاق النبيلة التي تُنسب للإنسان والإنسانية التي هي مقابل للحيوانية التي تعني عدم العقل والإدراك والفوضى الفعلية في التصرفات اللاإرادية التي تدفعها الغريزة من جوع وجنس ودفاع وهروب عند مجابهة الخطر، كل ذلك متضمن في فكرة النص التي أشار إليها في العديد من الإشارات بكلمة "الخلق" التي تنضوي تحت دلالتها المعجمية العديد من الحقول المفاهيمية التي تدل على عظمة الله المُوجد الأكبر والمُنشئ الأعظم المُطلق، والنص القرآني كنص مرتب ومنظم لحياة المسلمين لم يغفل بمخاطبة النفس إلا خطاب العالم بجوانب النفس الإنسانية ترهيبها حيناً وترغيبها في أحيان أخرى.

لعل النص الذي صيغت به تلك المُجادلات الحُججية ينحو منحى حواري قائم على صيغة السؤال والجواب، ثم إثبات الحُجة على المُجادل إما أن يهتدي في آخر الأمر إما أن يهلك في ضلاله.

ولتلبية تلك الأفكار التي تنشأ من حين لآخر استطاع النص أن يتماهى ويستوعب كل ما تمر به الإنسانية من مراحل تطور في الحياة البشرية، ليس فقط في العبادات بل يتخطاها للتخطيط للحياة الفعلية التي تمثل الواقع من ناحيته السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الرياضية، نجد النص المقدس قد أسس لمفاهيم أدت إلى احتواء تلك الأفكار مجملة.

ولا شك أن النص وعلاقته بالآخر علاقة تجاذب واستقطاب ومُحاججة فكرية وفلسفية، تقود إلى إقامة الحُجة كالهدف الأول لوظيفة النص فقد تختلف نبرة النص على حسب مقتضى حال المُجادلة وعلى حسب اعتقاد الخصم المُحاجج والمُجادل، ولعل النص الذي صيغت به تلك المُجادلات الحُججية ينحو منحى حواري قائم على صيغة السؤال والجواب، ثم إثبات الحُجة على المُجادل إما أن يهتدي في آخر الأمر إما أن يهلك في ضلاله، والغرض الأساسي هو الدعوة والحوار والمُجادلة بالتي هي أحسن وأقوم، فالنص يحاول أن يتمدد في عالم الآخر ليبشر بالدين الذي هو ختام للأديان ورسول هو خاتم للرسل، لذلك نجده يخاطب ثقافة الآخر، يُقر بما تحويه من أخلاق وأعراف لا تتعارض مع الدين، ويضحد تلك التي لا تتوافق، وقد تتضمن بعض الآيات في النص بعض الكلمات التي ليست بالعربية جرت ثقافياً في فحوى النص لتدل على عالمية النص المقدس، وأنه أنزل لكل الأمم بشيرا ونذيرا يدعوها للإيمان والتصديق أن هذا النص خطاب من الله رب العالمين أرسله مع رسول بُعث للعالمين ليحقق رسالة العالمية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.