يا نصف عمال العالم.. اتحدوا

BLOGS- الشغل
في العام 2000 في عهد رئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان اليساري، ووزيرة عمله آنذاك مارتين أوبري، تم تعديل قانون العمل ليصبح 35 ساعة عمل في الأسبوع، بخلاف المدة القانونية السابقة 39 ساعة المحددة من قبل الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتيران، وإذا علمنا أن ساعات العمل اليومي في السويد ست ساعات، و في فرنسا وأمريكيا لا تتجاوز الأربعين ساعة أسبوعياً، جاز لنا أن نطالب نصف عمال العالم بالاتحاد، أما البقية الباقية فقد تم انصافهم، فلا تقلقوا.

وفي هذا السياق نقتفي ما قامت به دولة قطر في إطارها الاقليمي من خلال الاستعانة بخبراء من منظمة العمل الدولية، عبر الخطوة التاريخية التي تمثلت في إزالة نظام الكفيل، وإصدار قانون جديد لإقامة العاملين، وتنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، وهو يشمل الأحكام المتعلقة بتنظيم إجراءات واشتراطات دخول وخروج وإقامة الوافدين، واستقدامهم وتغيير وجهة عملهم، وإقرار الالتزامات المترتبة على كل من المستقدم والوافد.

في يوم عمالنا في المنظور العربي تتوزع مآسيهم بين الإصابات والإجازات والاقتطاعات والحرمان من الحوافز والاحتساب الظالم لمعادلة العمل الإضافي، ناهيك عن مهزلة التأمين الصحي الشكلي، وارتفاع ساعات العمل وصاعقة الحرمان من مكافأة نهاية الخدمة وسوء المعاملة.

وقد جاء هذا القانون الجديد بديلاً عن القانون القديم المسمى بالكفالة السيء الذكر، وهو علاوة على الظلم الكامن فيه، ينطوي على استرقاق وعبودية تقارب ما صورته رواية الأمريكي أليكس هيلي المسماة كونتا كينتي، وانتقاصه من حقوق العمال، مخالفاً بذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، متيحاً للكفيل التدخل في خصوصيات العامل: بمنعه من الزواج أو استقدام زوجته وأسرته واحتجاز جواز سفره وإبعاده عن البلاد دون سبب مقنع وحرمانه من التعويض، وإجباره على العمل في موقع محدد، علاوة على منعه من فتح حساب بنكي مثلاً، وبذا ينطوي في مكنوناته على انحياز كامل لتجارة الرقيق، نكوصاً على قانون مكافحة الرق بجنيف في الخامس والعشرين من سبتمبر عام 1926.

في يوم عمالنا في المنظور العربي تتوزع مآسيهم بين الإصابات والإجازات والاقتطاعات والحرمان من الحوافز والاحتساب الظالم لمعادلة العمل الإضافي، ناهيك عن مهزلة التأمين الصحي الشكلي، وارتفاع ساعات العمل وصاعقة الحرمان من مكافأة نهاية الخدمة وسوء المعاملة كما في المثل العربي جزاء سنمار، إنها عبودية العصر الحديث في ثنائية الموظف والعامل.

ولذا نتفهم لماذا يندفع السيل العمالي في رحلة قوارب المتوسط، لينتهي به المطاف في الأعماق بلا كفن، ولسان حاله ما قاله الشاعر العرجي: أضاعوني وأي فتى أضاعوا، في الوقت الذي تمنح فيه للعامل الياباني استراحة تحت مسمى القيلولة ! بل حتى العامل التركي تم انصافه ؛ فشرعت مخصصات للكبار و أقر حد أدنى للأجور مع مطلع العام 2017 بما يقارب 400 دولار أمريكي، وهذا ساهم قطعاً في نجاح الاستفتاء الشعبي مؤخراً على التعديلات الدستورية المقترحة، ولذا تجد الطرفة والدعابة حيزاً في بلاد العرب أوطاني ؛ فيمر أحدهم بعاطل عن العمل، فينهره قائلاً: أتجلس يا هذا دون عمل وخلفك حكومة تنتظر الضرائب؟!.

في بلاد العرب أوطاني يوظف الآباء أيام العطل لدفع أبنائهم نحو ميادين العمل في تراجيديا التسرب والعمالة المدرسية، وأحيانا يعمل الآباء أنفسهم في صورة بالغة الحزن، فتجد الواحد منهم بلغ من الكبر عتياً، وهذا مؤسف للغاية كونه يخالف شبكة الأمان الاجتماعي في أبسط صورها.

وللعلم فإن الظلم في واقعنا العربي معولم ولا يطال المواطنين فحسب بل يطال حتى العمالة الآسيوية، فمن باب التراجيديا وربما لا تصدق أخي القارئ أنه في العام 2001 حدثت قصة الخادمتين، وهما ابنتا عم من سيريلانكا، كانتا تعملان في عاصمة عربية، ووجدتا نفسيهما محتجزتين مجبرتين من قبل مستخدميهما على الانقطاع عن العالم والبقاء في البيت، ولكن مهلاً كيف كانتا تتواصلان بعد منعهما من جميع وسائل الاتصال ماعدا البريد الورقي؟ ربما لا يصدق أحد أنهما كانتا تتواصلان من خلال أقاربهما في سيريلانكا! هذه هي عبودية قرننا الحادي والعشرين!.

أما عمالة النساء والاطفال فإنها تأخذ مدى كبيراً من النقاش، وإن كان الربيع العربي كشف حرص الأنظمة على توظيف الذكور؛ استباقاً لئلا ينخرطوا في ركابه! ومن المعلوم أن ارتفاع الرواتب في تنظيم الدولة الإسلامية شكل سابقة في تاريخ بلاد الشام.

وخذ المثال التالي: ففي رواية توارثها أجدادي تظهر مقدار العبودية حين غادر الجد الأكبر صوب أم الدنيا، ملتحقاً ببروليتاريا العاملين في حفر القناة تحت إمرة فرديناند دليسبس عبر عشرية ممتدة من أبريل 1859 إلى نوفمبر من عام 1869، وما لبث أن عاد بمؤشرات اقتصادية كفلت له فقط وبعد عشرية ممتدة أن يحمل سيجاراً وغليونا ومن يومها سمي به!.

ومن المشاهدات العربية المحزنة أنك تجد الخبير الأجنبي في عدة ميادين ومنها الرياضي يلتصق بالمقاعد دون عمل وتهلل له وسائل إعلامنا، وتصرف له المبالغ الطائلة خلافاً للخبير العربي، في صورة مغايرة لأنظمة العمل في الغرب حين تفرز إنصافاً لثنائية الأجور وساعات العمل بصورة طردية.

ولا زلت في هذا السياق استذكر قصة الخبير العراقي في عقد التسعينيات، عندما تبينت أصوله العربية في دولة ما، تم التعامل معه بصورة مخالفة لما مضى، على النقيض من العامل الغربي عندما يمنح جولة سياحية حول العالم، واستمعت لأحدهم عندما قدم لرؤية البتراء، فحدثني عن مكافئة نهاية الخدمة بصورها المختلفة، فقلت له: ولكن أصغ لي من فضلك في بلداننا متوالية العمل تزداد أما الراتب فمكانك قف، وأنا على قناعة بأنه من الانصاف القول: إننا لا نتقبل العمل بقدر ما نقنع أنفسنا بحزمة التأمين على الحياة والضمان الاجتماعي والتأمين الصحي وهنا مكمن العزاء!.

أما عمالة النساء والاطفال فإنها تأخذ مدى كبيراً من النقاش، وإن كان الربيع العربي كشف حرص الأنظمة على توظيف الذكور؛ استباقاً لئلا ينخرطوا في ركابه! ومن المعلوم أن ارتفاع الرواتب في تنظيم الدولة الإسلامية شكل سابقة في تاريخ بلاد الشام.

أما التآمر على النقابات العمالية صاحبة الوعي المضاد، واختراقها من قبل الحكومات، والادعاء بأنها تسيس عملها بأجندة خارجية، وليس من تلقاء نفسها، فحدث عنه ولا حرج.

والمحزن حقاً ظاهرة احتكار وتوريث العمل وبالأخص الدبلوماسي وأنت تعرف أخي القارئ عوائل الذوات كيف يحتكرون الدبلوماسية من الجد نزولًا نحو الحفيد، والظاهرة الثانية وهي الاستغلال الذي دفع بالكثيرين إلى القبول بالعمل أيا كان، وإن كان العمل غير الشريف لا يبرر، وبعض أنواع العمالة على حساب الدين، وكل تلك النواحي جاءت باعتبارها قضايا خلافية تثير الكثير من الجدل.

وهذا موجب للرقابة على المهن الذميمة القذرة، التي تحتاج لرقابة كبرى، وبالتالي برزت فئة شاذة تتمثل في العمال العرب الذين يعملون في المستوطنات الصهيونية على أرض فلسطين، ضاربين بالثوابت عرض الحائط، في الوقت الذي لا تستثمر فيه الحكومات تحويلات المغتربين للخزينة، الكفيلة بإيجاد فرص عمل لتلك الفئة الشاذة.

ومن التناقض المضحك المبكي أن العمل كلاعب كرة قدم أصبح مجدياً أكثر من غيره، والأجور الفلكية في هذا الإطار لا تجد منافسا على الإطلاق، وكمثال على ما سبق أجرة اللاعب البرتغالي كريستيانو رونالدو تعادل أجرة 72 عامل شهرياً ممن يتقاضون500 يورو شهرياً! فهل بعد ذلك من المناسب قولنا يا عمال العالم، اتحدوا؟!.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان