مقاومة فلسطينية جميلة من نوع آخر

A drug addict stands behind the bar at a Hamas-run prison in Gaza City March 1, 2017. Picture taken March 1, 2017. REUTERS/Mohammed Salem
لم يكن الإضراب الذي بدأ به العديد من الأسرى في السجون الإسرائيلية إلا محطة أخرى في مسيرة النضال الفلسطيني للاعتراف بحقه الطبيعي بالحياة. ولعل المبكي والمؤسف في عالم الإنسانية والحضارة اليوم هو وجود شعب مشرد في أكثر من بقعة جغرافية حول العالم لا زال يبحث ويناضل ويقاوم من أجل الحصول على أدنى حقوقه الطبيعية وهو حقه بالعيش الكريم.

إضراب عن الطعام: وتختصر خطوة الأسرى الفلسطينيين محنة هذا الشعب المتروك لقدر الحياة وكأن التاريخ لم يلقن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي دروسا كافية عن آثار الظلم ونتائجه على الجميع. فلا يستطيع اليوم أحد في هذا العالم أن يلوم هذا الشعب عندما ينتفض تارة بالحجارة أو بالسكاكين أو الدهس والقتل والإضرابات ليوصل رسالته للعالمين ويقول أن هناك شعب يعاني ويتوجع ومظلوم.

هي سردية جميلة للثورة الحقيقية لا تشبه "ثورجيي العالم الافتراضي "أو تجار "الكوفية ". هي قضية النضال الجميل الذي يعرف أهدافه جيدا ويحاكي جلاده باللغة المناسبة.

وإن كانت معاناة الشعب الفلسطيني وصمة عار على جبين الإنسانية فإن هذا لم يردع هذا الشعب بأن يتفنن في المواجهة ويبدع في أساليب المقاومة.وهذه المرة يتحدى سجانه في لقمة العيش والرغبة بالحياة وكأن به يقول له: "لا تمنن علي بطعامك وشرابك". فلا قيمة لهذا الطعام والشراب من دون حرية حقيقية وحقوق طبيعية وأساسية تحترم إرادة هذا الشعب المنهك من ظلم التاريخ وذوي القربى.

وإن كان الإضراب حركة رمزية بسيطة في شكلها ومطالبها كبيرة في نتائجها وعظيمة في رسالتها فهي تعطي أملا إضافيا بأن الشعب الفلسطيني لم تمت فيه قضية أرضه ولم يجف في عروقه نبض الانتفاض والمقاومة والنضال بعيدا عن الاستغلاليات السياسية لدول المنطقة.

الأسير الفلسطيني وإعطاء الدروس: وهو نفسه هذا الأسير الفلسطيني يعبر عن آلام شعب أسير ومعذب تارة من الاحتلال الإسرائيلي وطورا من ظلم أخيه الآخر وشقيقه العربي والإسلامي. فهذا الأسير هو خلاصة قصة فلسطين، الأرض والشعب والنكبة المستمرة على وقع غياب السياسات المنطقية والمناسبة للنضال. هذا الأسير هو صرخة غضب ومقاومة بوجه الظالمين وليس فقط الإسرائيليين وهو يعبر عن المعاناة التي لا تنته.

هو يعبر عن وجع الفلسطيني في الشتات وغزة والضفة الغربية وبأراضي 48، بل هو يعبر عن إرادة الحياة في وجه كل ظالم في هذه المعمورة. فليس من السهل اليوم وبعد هذا الكم الهائل من المعاناة والقهر والعذاب الذي مورس ضد هذا الشعب أن لا يزال المرء يجد بصيص أمل بالتمسك بالحياة في هذا الشعب. كم هائل من الأمل من أجل التمسك بالحرية والقيم الإنسانية، وتجربة باللحم الحي عن قصة وطن وشعب محتجز خلف الجدران.

ما يفعله هذا الأسير هو رفض الظلم بصوت عال يصل أرجاء الكون وهو درس يومي لكل من يحاول أن يتناسى هذا الوجع الفلسطيني ليرضي ضميره بأن هناك ألم مستمر ونزيف يومي يعاني منه هذا الشعب. هي مقاومة لا تنتهي ومن نوع آخر لأنها تنتمي لمدرسة الحقيقة والحق في غابة الاستغلاليات والباطل والكذب.

إن كان الإضراب حركة رمزية بسيطة في شكلها ومطالبها كبيرة في نتائجها وعظيمة في رسالتها فهي تعطي أملا إضافيا بأن الشعب الفلسطيني لم تمت فيه قضية أرضه.

في غابة الحروب والدماء والقتل لا زال هذا الأسير يتفنن بمقاومته ويبتكر أساليب لا يحاججه فيها أحد بأنها عنيفة بل هي تنتمي لجامعة إنسانية أنتجت سابقا حضارات وقيم يتغنى بها "إنسانيو اليوم". هو نضال واقعي ينتمي للأرض لا للعالم الافتراضي ليحدثنا عن قضية عصى الزمن على نسيانها والتاريخ على محوها.

هي سردية جميلة للثورة الحقيقية لا تشبه "ثورجيي العالم الافتراضي "أو تجار "الكوفية ". هي قضية النضال الجميل الذي يعرف أهدافه جيدا ويحاكي جلاده باللغة المناسبة. هي مقاومة قاسية على المحتل كقسوة الرصاص إلا أنها لا تقتل بل تفضح ظلم وإجرام هذا العدو. هي مدرسة الحياة في عالم اندثار القيم ومقاومة تعرف جيدا من أين يمر طريق القدس.

فمخطىء من يظن اليوم أن إضراب الأسرى الفلسطينيين هو من أجل الموت والعذاب أو القهر، هؤلاء ينتفضون من أجل الحياة، الحب، العدالة والسلام الحقيقي. من أجل الزيتون والكنيسة والمسجد وكل شيء.



حول هذه القصة

تشهد الأحياء الجنوبية الشرقية من مدينة الطبقة بمحافظة الرقة السورية حركة نزوح كثيفة للمدنيين جراء القصف العنيف لطائرات التحالف، والمعارك الدائرة بين تنظيم الدولة المسيطر على معظم المدينة والوحدات الكردية.

Published On 30/4/2017
نزوح جماعي للمدنيين من الطبقة بريف الرقة
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة