لأولئك المجهولين نكتب

blogs-معتقل
نخرج من أرحام أمهاتنا إلى رحم الحياة، ونظن في البداية أن الحياة ستكون بحنان ورحمة أمهاتنا حتى نصطدم بألم يغير كل تصوراتنا؛ لنولد من رحم الألم ونبدأ حينها ندرك أنه لا نضج بدون ألم ولا ثبات إلا بعد تعثر.. اليوم لا أكتب هذه الكلمات بقدر ما تكتبني هي، وتسطر الألم الذي غير نظرتي تماما لكل شيء.

أكتب عن هؤلاء المجهولون الغائبون، هؤلاء العالقون في المنتصف بين الحياة والموت، هؤلاء العالقون بين الذكري والنسيان، هؤلاء الذين علموني أن أحزن لكل مظلوم وأن أبكي بدمعه وأتكلم بوجعه وأحمل همه علي عاتقي كأنه همي، هؤلاء الذين علموني أن تجرع مرارة الصبر لا يتقنها إلا قليلون، ولا يصبر علي الصبر إلا مجاهد لم ينكث عهده مع الله، هؤلاء القابعون في أقبية زنازين الإختفاء القسري لشهور ولسنوات دونما أثر، هؤلاء الذين ربما ننساهم في خضم حياتنا ولهونا ونتسمر قليلا حين تذكر أسماءهم وقصصهم ثم نمضي كأن شيئا لم يك.

ذاك هو عبد الله، أو كما يناديه إخوته عبادة، بعد اختفاءه لثلاثة أشهر يجدونه مقتولا بإحدى عشر رصاصة وعلى وجهه الضاحك وجسده أثار ضرب وتعذيب!

كثيرة هي المشاهد، وكثيرة هي القصص المثقلة بأوجاعهم وأحلامهم، وأسطر هنا ثلاثة مشاهد فقط من بين آلاف المشاهد، أكتبها حينا كأني أنا من مررت بتجربة الاختفاء، وحينا كأني أم المختفي، وحينا كحبيبته وحينا كأخته:

المشهد الأول
شاب عشريني محني الظهر، هزيل جدا وشعره كثيف ولحيته كذلك، تكاد لا تري قسمات وجهه ربما من شده إعياءه، وربما من بعثرة شعره علي وجهه، وفي عينيه نظرة جميلة محببة إلي النفس كأنه يبتسم، بل يضحك رغم كل هذا، ويلوح بكلتا يديه وهو يترجل لعربة الترحيلات أمام السجن، ثم يرمي وريقة صغيرة فأجري لألتقطها.

أفتحها لأجد فيها رسالة لأمه قائلا "حبيبتي وقرة عيني، طيلة الثلاثة أشهر التي اختفيت فيها كنت لا تفارقين مخيلتي، أنام وأصحو علي وجهك الجميل وأشعر بيدك تربت علي كتفي وظهري وتمسح علي صدري كأنها تزيل كل الآلام التي لحقتني، أمي كوني كما عهدتك صابرة قوية محتسبة ولا تجزعي، سنلتقي قريبا يا حبيبتي، لست أخشي من ممات فالفدى عذب جميل، غير أني لو أراكي يبسم القلب الحزين" وفي أسفل الوريقة اسم أمه ورقمها. 

المشهد الثاني

يتصل موظفو المشرحة بأبيه أن تعال فابنك هنا في المشرحة منذ أسابيع، يذهب الأب ليستلم جثمان ابنه الشهيد وهو مسجي في دماءه التي ما زالت تنزف ورائحتها كالمسك، يمسح بيديه علي وجهه ويقبله من وجنتيه ويهمس له قد نلتها يا عبادة قد نلت ما تمنيت! ذاك هو عبد الله أو كما يناديه إخوته عبادة، بعد اختفاءه لثلاثة أشهر يجدونه مقتولا بإحدى عشر رصاصة وعلى وجهه الضاحك وجسده أثار ضرب وتعذيب! زفته أمه ونساء قريته في "دكرنس" وهن يرتدين الأبيض ويزغردن وينشدن له

المشهد الثالث

"حبيبتي وقرة عيني أمي، طيلة الثلاثة أشهر التي اختفيت فيها كنت لا تفارقين مخيلتي، أنام وأصحو علي وجهك الجميل وأشعر بيدك تربت علي كتفي وظهري وتمسح علي صدري كل الآلام التي لحقتني"

في مشهد أقرب للمشاهد السينمائية، أمام إحدي النيابات العسكرية في القاهرة، يجلسن هؤلاء النسوة ويفترشن الأرض بالساعات، فيهن الأم التي اختفي ابنها لأكثر من تسعة أشهر، وفيهن فتاة جميلة هادئة وحامل في الأشهر الأخيرة أخبرتني أنها جاءت لزوجها المختفي من ثلاثة أشهر، وفيهن الأخريات اللائي تحمل كل منهن قصصا قد تكتب يوما في الروايات، وكل حين يقطع هذا الصمت والانتظار الطويل أصوات عربات الترحيلات، فتهرول وتجري النساء والبنات ثم يرجعن خائبات الأمل حين يجدن العربات خالية لا تحمل أحبائهن!

ثم أخيرا تأتي تلك العربات الزرقاء الكبيرة وفيها من ينتظرن، وجوه غير واضحة وراء تلك الشبابيك المقيتة في عربة الترحيلات، أصوات مختلطة وعالية أحدهم ينادي أمه والآخر ابنته الصغيرة وأم تصرخ باسم ابنها والأخرى تجري وراء العربات مهرولة وتبكي بكاء مريرا بكي له الرجال الواقفون حينها! ويتكرر ذات المشهد بنفس البكاء والنداءات المختلطة بالدموع وأصوات الأمهات والشباب بعد انتهاء عرض النيابة.

ينتهي المشهد ولا تنتهي المعاناة، ينتهي المشهد مثقلا ببكاء الأمهات المكلومات بغياب أبنائهن ومحملا بأوجاع الزوجات المنتظرات على وجع وعلي حنين، ينتهي المشهد ولم تنتهي بعد مأساة الاختفاء القسري وأوجاعه وآلامه وقصصه التي لم ترو بعد!