شعار قسم مدونات

القبس القرآني بين سطورنا

blogs - قرآن
أكثر من أربعة عشر قرنا وما يزال الكتاب السماوي المحفوظ يتحدى الإنس والجن أن يأتوا بمثله، ومع توالي الأيام يزداد عجز الخلق جميعهم، ويزداد الذين أمنوا إيمانا على إيمانهم بأنه ما من سبيل إلى ذلك، كيف وقد عجز أصحاب البيان الذين عاصروا نزوله فلم يجرؤ رجل رشيد منهم أن ينفذ من أي منافذه؟ وتطاول عليه سفهاؤهم فما زادهم ذلك إلا وبالًا وإنكارا للناس على صنيعهم، فتلك قوة تختلج نفوسهم بأنه كتاب (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) مهما جادل في ذلك المكابرون.

فبقي كتابا محفوظًا إلى أن وصلنا على هيئته كما أنزل من أوله إلى آخره، وإنه لمُتراصة حروفه مبينة معانيه موجزة قاصدة جامِعة، فكان رغم بنيانه العربي الذي تعرفه العرب، له بيان عجيب ما استطاعت له تفسيرا، فقالوا تارة هو شعر وتارة هو سحر، وقد استيقنت نفوسهم أنه ليس بالسحر ولا بالشعر، وأن له لحلاوة وأن عليه لطلاوة!

أما وقد عجز الخلق عن الاتيان بمثله ولا الإتيان بسورة (من) مثله، فقد كان قصارى فضل البليغ فيهم كما هو جهد البليغ فينا أن يظفر بشيء يقتبسه منه في تضاعيف مقالته ليزيدها به علوّا ونباهة شأن (1) ومن هنا كان الجمال البياني لكل من جعل في سطوره قبسًا من هذا القرآن المعجِز، فجاء بالألفاظ مبينة للمقاصد واضحة تفسرها الآيات على أحسن وأكمل صورة، انظر قولهم مثلا: لزين الدين أحمد نور علم… تضيء به القلوب المدلهمة. يريد الجاحدون ليطفئوه… (ويأبى الله إلا أن يتمه).

وقولهم: في ظبية هيفاء من أجفانها… سحر الجفون البابلي تواترا.
فإذا انتضت من جفنها غضبين من… جفنين قلنا (ساحران تظاهرا).

ومن أطرف الطريف أن يعرض بعض الجهلة آيات القرآن على ميزان قواعد اللغة ليلتمس فيها مخالفة لها! وهل أخذت هذه القواعد إلا من القران ابتداءً! فكيف تعارض الأصل بالفرع؟

وقد عرف أسلوب الاقتباس القرآني منذ زمن نزوله فاستخدمه رسول الله عليه الصلاة والسلام، الصحابة والتابعون ومن تلاهم، وإنك لو قرأت للمتأخرين بعض الكتب النفيسة لوجدت فيها منه الشيء الكثير،  تأمل مثلا في (النبأ العظيم) – والعنوان في الأصل مقتبس من آية قرآنية- حيث يقول الشيخ دراز رحمه الله: (ارجع إلى أهل الذكر من أدباء عصرك فاسألهم هل يقدرون أن يأتوا بمثله؟

فإن قالوا لك لو نشاء لقلنا مثل هذا، فقل هاتوا برهانكم! وإن قالوا لا طاقة لنا به، فقل: أي شيء أكبر من العجز شهادةً على الإعجاز؟ ثم ارجع إلى التاريخ فاسأله: ما بال القرون الأولى؟) تمعن في الاقتباسات كيف زينت الفقرة وحادت بها عما نستخدمه في كلامنا إلى ما استخدمه الله تعالى في كلامه، وقارن إيجازها واختصارها ووضوح معناها مع ما يمكننا وضعه من كلامنا لتوصيل نفس المعنى!

فكذلك تفعل مع ما سواها من نثر أو شعر، فتحس كأن وراء الكلام شيء غير الكلام، وإنما هو بلاغة القرآن التي أذهلت الأولين والاخرين، فخرّوا سجدا على جباههم إجلالا. ومثل ذلك عبر عنه آخرون، وتناوله الرافعي في (إعجاز القرآن) فأجاد تبيان فضله، ولمن أراد الفائدة فليرجع إليه.

وإني بعد هذا لأعجب أشد العجب، من غرّ في زمن العجمة يدعي وجود أخطاء نحوية في القرآن! وهذا لم تقل به قريش نفسها ولا قبيلة من قبائل العرب والعربيةُ سليقة يومئذ! وأقول كما قال د. البشير المراكشي في كتاب الملَكة اللغوية: (ومن أطرف الطريف أن يعرض بعض الجهلة آيات القرآن على ميزان قواعد اللغة ليلتمس فيها مخالفة لها! وهل أخذت هذه القواعد إلا من القران ابتداءً! فكيف تعارض الأصل بالفرع؟)

لا يكن لك بعد هذا شك في أثر القرآن على النفوس بشهادة المؤمنين وغير المؤمنين، فإنك إن ضمنته حديثك فأحسنت تخير الآية في السياق دونما تكلّف حصلت القبول فيه، وزدته نورا على نور، وجمعت الحسنيين، فاظفر بالأرب وقدّر في السرد!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.