الشهرة كقيمة مطلقة

blogs الشهرة

أمست ابنتي الطفلة ذات ليلةٍ متجردة من إنسانيتها، متخلية عن ذاتها الروحية، متأبطة جسديتها وحسب، وقد بدا لي أنها ترغب أن تصبح رقما من الأرقام المجردة في عالم رقمي تكون فيه قيمتها الإنسانية بحسب قيمتها العددية في ذلك العالم، ولأُقرب المسألة فهي تريد أن تصبح كسهمٍ مالي يتطاير في سوق البورصة، ذلك السهم الذي تحدد قيمته عمليا أهواءُ الآخرين وأمزجتهم فيوما هو في صعود وآخر في سقوط.

قالت لي: أريد أن أُنشئ قناةً في اليوتيوب، لم أسألها عن المحتوى بل سألتها عن الغاية النهائية والمآل المقصود، ولماذا يا ابنتي؟ ردت بلسان الطفلة التي لم تتجاوز سنتها التاسعة قائلة: الشهرة! أريد الشهرة!، وما الشهرة يا ابنتي؟ قالت: أن يعرفني الناس!!

في تلك الليلة أرقتُ مفكرا ماذا أصاب العالم حتى أصبحت الطفلة تتمنى شيئا عسيرا لم يُصبه من يستحقه مع عنائه وطولِ جهده وقوة حيلته، بل وتريده بأبسط السبل. أيقنتُ حينها أن ذلك الغول الوردي المتوحش قد أصاب ابنتي على حين غفلة مني.

عندما أصبح العالم كُله تحت رحمة أنياب المادية البشعة التي لا مجال فيها لعيش الإنسان كإنسان، تلك المادية المُختزِلة له في الجسد وحسب، بعيدا عن أية قيمة ثابتة مطلقة بعد أن أزاحت – بل نحرت – جانبه الروحي المُعتمِد على أرضٍ صُلبة من القيم الإنسانية والدين القويم، فتركت مكانها خاويا تتكاثر فيه هوام قيمٍ لذائذية على أسسٍ هشة مزيفة بدعوى التحديث والتقدم والتكنلوجيا.
 

الشهرةُ الآن هي عدد الأرقام الهوائية وحسب، تستمد مرجعيتها من ذاتها لا من مرجعيتها الإنسانية العامة فتصبح قيمةُ الفرد فيها بحسبِ مدى قدرته وكفاءته في تحديد رقمه من دون السؤال أو التردد في البحث عن الكيفية، فالمهم هو الكم وحسب

خلقَ اللهُ الإنسانَ ليكون مركزَ الكونِ وعليه تدور مداراتُ الفلكِ بعد أن تحمَّل الأمانة التي تحمَّلها، متوازنا بين مادة وروح يأخذ من الطبيعة بقدر ويمنح لها بقدر، حتى أوقعه جهله المغرور في بؤرة النسبية المطلقة فأصبح لا فرق بينه وبين الطبيعة من حوله، فإن كان كل ما حوله عبارة عن أشياء فهو أيضا شيء من تلك الأشياء، ثم تَرَدى مع الرأسمالية إلى مادة استعمالية لها قيمة شرائية تُحدَّد قيمتها حسب أعدادٍ وأرقام إما مالية أو هوائية، مالية كقيمة مرتبك الشهري، فأنت تساوي ما تُنتجه من عملٍ بعيدا عن قيمتك كإنسان، أو هوائية بأن يكون لك رقما وهميا، هوائيا، غير محسوس، كعدد من يتابعك على منصة تويتر مثلا، وهذه هي القيمة التي بَحثتْ عنها تلك الطفلةُ تحت ضغط المواد الإعلانية الفاسدة والقنوات المُعليةِ من شأن أصحابِ تلك الأرقام الهوائية فصَورتهم على أنهم هم القادة العظماء الذين يُصفق لهم المجتمع ويسجد.

هنا يتضح كيف نُزعت القداسة عن المقدس وأُلبست القداسة غير المقدس، فاختلطت الأوراق وأظلمت الرؤية أمام الطفلة بل وأمام أكبر رأسٍ في المجتمع.

الشهرةُ الآن هي عدد الأرقام الهوائية وحسب، تستمد مرجعيتها من ذاتها لا من مرجعيتها الإنسانية العامة فتصبح قيمةُ الفرد فيها بحسبِ مدى قدرته وكفاءته في تحديد رقمه من دون السؤال أو التردد في البحث عن الكيفية، فالمهم هو الكم وحسب. وبعد ذلك تتوالى الدحرجة ويُستغل صاحبُ الرقم الأكبر فيوضع كسلعة دعائية له قيمة شرائية يُدِر الربح كضرع الناقة حتى ينقبض ويستشن. وقبل هذا وأثناءه تتوالد الصراعات الذئبية والبقاء للأصلح عن طريق الغاية تبرر الوسيلة، ومن دون القيم الإنسانية فلا تحدثني عما سيكون الناتج إذ لا حرج حينها تحت هذه المنظومة الفكرية المتوحشة أن يخرج أحدهم ليعرض أمام الملأ صورةً لعورته وقد اخترقتها (أسياخ) الزينة، فلا وجود لمعيارية أخلاقية تجرم هذا الفن المزعوم.

الشهرة ليست باطلة منبوذة من كل جهة، فالنفس الإنسانية لها نوازعها الفطرية التي لا يُختلف عليها، ولكن أن تُصبح الشهرة بحد ذاتها قيمة مطلقة تعلو سماء الإنسانية فهذا هو مدار الجدل ومركز العطب. ومن المعيب أن عدوى اللهث وراء هذه الشهرة السرابية أصاب كبار القوم قبل صغارهم وأصبح العرضُ حسب الطلب لا بحسب الحاجة، ومتى كان العرض يتبع الطلب فالنهاية الهاوية. النفس الإنسانية إن تغلبتْ عليها غريزةُ الشهوة واللذة والطلب تردت في دركِ عبادة الذات ولذائذها.

 

ننسى أثناء رضوخنا تحت غول المادية أن العقل يستسلمُ إن ضعفت الأخلاق وانفصلت القيم. فالأخلاق تقوم ببناء عالم الأشخاص الذي لا يُتصور من دونه عالم الأشياء ولا عالم المفاهيم وهو من يقرر الاتجاه العام للمجتمع بتحديد الدوافع والغايات

ومتى جعل الإنسان قيمته بين أيدي الناس فحتما سيكون سلعة يزداد سعرهُ مع زيادة الحاجة إليه وينخفض عند استغنائهم عنه بل سيُلقى في القمامة لو جاءت سلعة جديدة. الشهرة متى أصبحت قيمة مطلقة زاد أوار جنونها ولهيب حريقها وتعاظم معها الحسد المؤرق والحقد المكشوف، فإن تحدثوا عن آخر غيرك ألمتْ بك الآلام فمتى سيتحدثون عنك؟ وأسقطْتهم في قفص المحاكمة لتآمرهم عليك وتعمد إغضاضهم الطرف عنك، يقتلك شعورُ عظمةِ الأديبِ ولو كنتَ صرصارَ ثقافة، وتنفُخك قوافي شعرك ولو كنتَ قطرةَ حبرٍ يتسلى بك رأسُ قلم، ومن هنا انتشر الفساد الأدبي وماتت القدوات المجتمعية العالمة بمكانتها الحقة وما يستوجب عليها من واجبات. الشهرة إن أصبحت قيمة مطلقة أخضعتك لتحدي القوانين والتنقص من الآخرين باللمز والنبز والثلم. ثم تعود بعد هذا الشقاء كعود الكبريت إذ انطفئ أو سحاب صيف قد مضى.

ننسى أثناء رضوخنا تحت غول المادية أن العقل يستسلمُ إن ضعفت الأخلاق وانفصلت القيم. فالأخلاق تقوم ببناء عالم الأشخاص الذي لا يُتصور من دونه عالم الأشياء ولا عالم المفاهيم وهو من يقرر الاتجاه العام للمجتمع بتحديد الدوافع والغايات كما قال المفكر الجزائري مالك بن نبي. أما القيم فهي ذلك الجهاز الإنساني الذي نجابه به الواقع الشرس المفروض علينا والذي يحولنا بالقوة إلى سلع تباع وتشترى فنخلع معه إنسانيتنا ونلج حلبة صراع الداروينية المحكوم فيها على الجميع بالموت.