الإضراب

مدونات - السجون الإسرائيلية
يا وجه الفجر المعطر بالصبر.. الموشّى بالحناء، يا ندى الصبح يحفر بقطراته ظلالاً ناعمة في أرواحنا ويبقى كالوشم جريئاً متشبتاً بمذاق عز! القيد يحُزّ معصمه ومعصمنا، البرد يلتهم عمره وعمرنا. هو طبيبنا في غياب الدواء، هو رماد السجائر لتضميد الحروق وتبريد حرقة المعدة! هو تحميلة الصابون التي كنا ننتظرها لتخفيف الحرارة والإمساك الذي يلوب أمعاءنا. هو من يمسح بيد مطمئنة وبلسان يلهج بالقرآن فتعود لنا عافيتنا!
 

كم يدهشني الشيخ علي.. يدهشني بقدرته على الاتزان رغم عصف الريح! يدهشني بروحه القوية الصامدة رغم هشاشة جسده وشحوب وجهه! يبهرني بصوته الذي يمتص قسوة السجن بسخرية.. مقولته الشهيرة: إن السجن الحقيقي هو الخوف!
 

أخذ القيد يشتعل في جسد الشيخ علي أكثر وأكثر بدأت شعلته تزداد بريقاً وهو يطيل النظر إلينا وإلى نفسه التي تقضي عمرها في متر مربع واحد للأكل والشرب والنوم والحركة والصلاة! عندما بكى الشيخ علي بكت لدمعته كل الزنازين وامتدت لكل المعتقلات.. لكن يا ترى كم نحتاج من وخز الذل والمهانة حتى نصحو؟! الشيخ علي بلحيته البيضاء وفمه الرطب بمذاق التكبير يعرّي الخوف.. يجعله تافهاً كرغوة فاسدة! يهزنا الشيخ ليوقظ فينا مرارة تبلدت.
 

أفواهنا معبدّة بطعام مُلئ بالحشرات والأتربة، نحن ميتون ميتون فلنمت بجرعة واحدة.. نحن اخترنا هذا الطريق ونحن نعرف أنه طريق النصر والشهادة فلننهِ هذا الارتعاش المعلق على حبل الحياة وكفى!

غداً نبدأ الإضراب! هل أنتم مستعدون؟ إن كنتم مترددين ولو ١٪‏ لن نتقدم فهذا طريق عارٍ ومكشوف.. ليس هناك ما يغطينا! وفعلاً أعلنا الإضراب في ١١/١٢/١٩٧٧ واستمر ٤٥ يوماً.
 

إضرابنا لم يكن في سبيل الحرية.. بل كان لتحسين حياة القبور الاعتقالية، إضرابنا كان بلون العتمة وبرائحة الغاز الذي يُرش في غرفنا. قبل الإضراب كنا نموت في اليوم مئة مرة بجرعات بطيئة.. عيوننا ضاقت حتى غدت مملحة، فالجدران والشبك والقضبان وعصبات العيون كلها زُرعت لتقتل فينا الرؤية!
 

أفواهنا معبدّة بطعام مُلئ بالحشرات والأتربة، نحن ميتون ميتون فلنمت بجرعة واحدة.. نحن اخترنا هذا الطريق ونحن نعرف أنه طريق النصر والشهادة فلننهِ هذا الارتعاش المعلق على حبل الحياة وكفى!
 

من جوف الشيخ علي المشتعل بالجوع والقهر اشتعلت الهتافات الوطنية.. طبّلنا على الأبواب بيد واحدة ملأت صوت الزنزانة بصوت مرعب، وماهي إلا نصف ساعة حتى جاءت قوات كبيرة من جيش الاحتلال والشرطة الخاصة وألوف السجناء اليهود.. ليس هذا فحسب، بل تجمهر آلاف المستوطنين في محيط السجن محاولين اقتحامه، كل هذه القوة كانت متزامنة مع كميات غير اعتيادية من الغاز والقنابل الصوتية وطلقات الرش!

تحسسنا أجسادنا العارية.. إنها هي مع كثير من الدماء والكسور والأصابع التي تشد على بعضها البعض. لقد انهالت الألوف المؤلفة من السجانين والشرطة علينا بالضرب الوحشي الذي يتركز على الرأس والوجه. أبقونا مشبوحين عراة طوال الليل!
 

قاموا بربط عدد كبير من الأسرى منهم الشيخ علي.. أمسك الممرضون بربيش "الزوندا" دفعوا البربيش بقوة عبر الفم الجاف.. وبين أنفاس الشيخ علي الضعيفة وبين البربيش الذي يلج الوهن.. تمرد يعصف بالجسد كله.

وحتى يُضعفوا حِدّة الإضراب تمّ نقل عدد كبير من المضربين إلى معتقلات أخرى وقسم كبير تمّ نقلهم إلى أقسام العزل! لكن الأمور بدأت تنحو منحىً خطيراً جداً.. عندما جُنّ جنون الاحتلال واستشرس ولم تبق أمامه أي وسيلة لحل الإضراب سوى إجبارنا على الطعام!
 

نعم هذا ماحدث.. حيث قاموا بربط عدد كبير من الأسرى منهم الشيخ علي.. الذي ربطوه بكرسي وأمسك به خمسة سجانين غلاظ شداد.. أمسك الممرضون بربيش "الزوندا" دفعوا البربيش بقوة عبر الفم الجاف.. وبين أنفاس الشيخ علي الضعيفة وبين البربيش الذي يلج الوهن.. تمرد يعصف بالجسد كله. صبوا كأساً من الحليب عن طريق محقن عُلق في طرف البربيش الخارجي فيما جسد الشيخ علي يتلاطم كموج غاضب.. ينساب الحليب عبر المحقن ليصل للمعدة الجافة. سحبوا البربيش بحركة سريعة وفجائية وعندما خرج البربيش خرجت نتف من روحه الصابرة وتسرب المزيج السائل والدماء وعصارات المعدة إلى القصبات الهوائية.. أخذ الشيخ يسعل ويختنق.. لقد أُصيب بنزيف داخلي مزّق رئتيه حد التلاشي!
 

في ساعاته الأخيرة كان يلقي على أجسادنا عباءة الصبر.. نتحلق حوله.. ظلال الموت تختلط بالحياة ومازال كالملائكة يرفض أن يفك الإضراب.. تتمزق الكلمات على شفاهنا وتستحي الملائكة وهي تزفه شهيداً!!

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان