إنْ هي إلا أسماء سميتموها

blogs تأخير

دعني أسألك، ولتعلم أنني لا أنتظر سماع الإجابة.. فلست طبيبة نفسية قادرة على قراءة ما بين الأسطر وفك شيفرات شخصيتك، ولا امرأة عجوزا ذات حكمة ورزانة.  يكفيني فقط أن تكون صريحا مع نفسك.. فأنت مدينا لها بإجابة، وربما باعتذار وعناق حر.. ولو لمرة واحدة كن جسورا، وقاوم مخاوفك!

سؤالي كالتالي: كم مرة سَمَّيْتَ شيئا أو فعلا بغير اسمه؟ لا أقصد الأخطاء التي نرتكبها ونحن نكتشف معاني المفردات وسياق الكلمات، لا أبدا.. بل أقصد تلك المسميات التي أطلقتها خوفا من مواجهة الحقيقة، فكنت كمن كذب الكذبة، فأتقن صنعها وتفنن في تشكيلها وزخرفتها، ثم صدقها. فعاش ضائعا في وحل من الأوهام، راكضا خلف السراب.. فلا هو يصل إلى مبتغاه، ولا هو يستطيع العودة إلى نقطة البداية.

لعلك تتذكر يوم رسوبك في مادة التاريخ، وكيف بررت ذلك "بظلم الأستاذ وطغيانه"، في حين أنك تعلم جيدا أن السبب الرئيسي هو "كسلك وتهاونك". تتذكرين يوم بكيت "حظك العاثر في الزواج"، وأنت تدركين أن "سوء اختيار رفيق دربك" هو سبب الألم الذي ينهش جدران قلبك.. أعلنت حبك له وغضضت الطرف عن نصائح والدك وتخوفات والدتك، فأعلن هو عليك الحرب في أول أيام شهر العسل، والآن تلعنين القدر! علَّقت أرقك على شماعة" القهوة" وأنت تعرف أن" كثرة التفكير في المستقبل" هو ما أوصلك لهذه الحالة. فَوَّت موعد طائرتك "لاستهتارك بالوقت" وليس بسب "زحمة السير ".

إن مواجهة الحقيقة من أصعب المصاعب في الدنيا، لأننا إذا عرفناها ففي الغالب تكلفنا تغيير عادة من العادات، وليس أصعب على النفس من تغيير ما اعتادت

استغربت من غضب إحدى زميلاتك، وأنت" تستهزئين بها" أو على حسب تسميتك "تقدمين لها نصيحة" أمام المَلأ، بأن تستر نفسها وتلتزم بالحجاب الشرعي، وقد غاب عن ذهنك وأنت تستدلين بالآية الكريمة ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ سورة الأحزاب الآية ٣٣، أن الله سبحانه وتعالى، خاطب نبيّه الكريم صلى الله عليه وسلم قائلا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ َ﴾ سورة آل عمران الاية ١٥٩ 

والحقيقة أن المجتمع الإنساني بأكمله يتخبط داخل دوامة" تسمية الأشياء بغير مسمياتها"، فالكذب أصبح مجاملة ودبلوماسية، والبرامج المبتذلة أصبحت فنا وتجريدا للواقع، والخرافات أصبحت علما حديثا، وانتهاك حرمة الناس والخوض في حياتهم الشخصية أصبح صحافة، والميوعة وقلة الأدب أصبحت تربية جنسية، وقتل المدنيين الأبرياء أصبح جهادا في سبيل الله أو تدخلا لإسقاط نظام ديكتاتوري، أما الاستهزاء بالديانات فقد أصبح فلسفة وحرية تعبير، وهو موضة السنوات الأخيرة.. مجال تجوز فيه كل التسميات، ويتفنن أصحابه في إطلاقها والترويج لها.

إن هذا البلاء ليس بالظاهرة الحديثة، فصانع الأصنام مثلا، كان يعلم أنها حجارة لا تسمن ولا تغني من جوع، لكنه يعْمَدُ إلى مناداتها بأسماء أبطال وشخصيات خرافية، ليس إلا لإسدال الستار على ذلك الخوف الذي يرتابه كلما أتت إلى ذهنه تلك الحقيقة المرة، قال تعالى في سورة النجم الآية ٢٣: ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ﴾.

قد تفقد حياتك وأنت راكض وراء خيال ستنطفئ شمعته لا محالة، ومن خوف إلى خوف ومن تمزق إلى تمزق ستجد أن العمر قد مضى بدون رجعة ومحصول حياتك صفر

لماذا نهاب الحقائق ونحاول التهرب منها وصرف النظر إلى أمور أخرى لتشتيت الانتباه عن الأساس؟ يقول عباس محمود العقاد "أن مواجهة الحقيقة من أصعب المصاعب في الدنيا، لأننا إذا عرفناها ففي الغالب تكلفنا تغيير عادة من العادات، وليس أصعب على النفس من تغيير ما اعتادت" تأمل معي هذه الكلمات والمعاني التي تحمل بين ثناياها، واسأل نفسك إلى متى ستعيش على ضفاف الوهم! لا يحزنك كلامي فأنا لا أسعى إلى ذلك، ولكن أتظن أن جسمك مثلا سيستجيب لعلاج زكام بسيط إذا كنت مصابا بالتهاب حاد بالرئة؟ طبعا لا.." فالزكام " ليس إلا اسما سَمَّيته بغير محله ولن يبدل من معالم الواقع شيئا.

بل على العكس، قد تفقد حياتك وأنت راكض وراء خيال ستنطفئ شمعته لا محالة، ومن خوف إلى خوف ومن تمزق إلى تمزق ستجد أن العمر قد مضى بدون رجعة ومحصول حياتك صفر. تحتاج فعلا إلى عزم الصخور والكثير من الصبر.. تحتاج أن تسبح عكس تيار مخاوفك.. حين تتعب، توقف قليلا لتسترجع أنفاسك، ثم امنح حياتك فرصة لتزهر من جديد وتعيد الأمور إلى نصابها.. عش الواقع بكل تفاصيله، مهما أغرتك جمالية الوهم، وضَعْ لكل شيء اسما ملائما يليق به.