إقفال الطريق

blogs - طريق مغلق
ذات صباح باكر توجه أحد أفراد العائلة إلى البرّية التي بها أغنام العائلة، وما إن قارب الوصول إليها حتى وجد الطريق مقفلا من قبل أحد الجيران الملاصق لبرّيتهم، فاتصل الابن بالأب "رب العائلة" ليخبره بخبر قفل الطريق، وما إن سمع الخبر حتى أعلن الطوارئ في جميع أركان العائلة الحاضرين والغائبين، الأبناء وأبناء الأبناء، والإخوان وأبنائهم، والأعمام وأبنائهم، وكذلك الأخوال، ليعلن بذلك النفير العام في العائلة! وليستعدوا لفتح الطريق بالقوة قبل الحوار! فما كان من الجميع إلا الحضور والامثثال.

ليتفاجأ رب العائلة بعدها بأن إعلان حالة الطوارئ ليس كافياً أمام أولئك الفتية الشبان، فالغضب يعلو محياهم، والبأس والشدة تتناثر من أفواهم وكأن الحرب قد قامت! ولم لا، فأرضهم ورثوها كابراً عن كابر، فهل يتجرؤ أحد الوقوف أمام أرضهم، فذلك في نظرهم مرفوض، بل والخوض في الحلول الجانبية ممنوع، ولسان حالهم يقول هل نُفرّض في إرث الأجداد! فالابن الأصغر يتوعد، والآخر يؤيده، ليأتي حكم من أحد أفراد العائلة يُمهل قافل الطريق بعض الوقت لفتحها، وإلا فالقوة سيدة الميدان!

بهذه الأحداث وفي لحظات متتالية كانت العائلة في أهبة الاستعداد، مستعدين لخوض غمار "حرب" لا يُقدّرون كيف ستكون نهايتها، ولم يعرفوا للدبلوماسية طريقاً ولا للحوار سبيلاً، بل لحظات ويبدأ تنفيذ وعيدهم! لكن العقل في وقتها مرّ مسرعا أمام رب العائلة وكأنه أفاق من حالة الطوارئ التي أورثها لأبنائها، ليصدر مسرعا مرسوما ملكيا مفاده ألا يتحرك أحد من مكانه قبل أن يأمر هو بذلك، ليجمد قرار الطوارئ الذي أعلنه.

ويا عجباه! قرار ومرسوم في لحظات متواليه! وما إن سمع الأبناء هذا المرسوم حتى تقعّرت وجوههم، فالأول يُدندن بكلام غير مفهوم رفضا لهذا المرسوم، والآخر يُلوح بكلتا يديه رافضا له أيضا، ولكن الجميع سلم لهذا المرسوم، غير أن الابن الأصغر سنا تكلم وقال: نحن لن نتحرك ولكن إن لم تفتح الطريق قبل الظهرية فسيكون فتحها بالقوة.. فصمت الجميع، ورد رب العائلة بصواب الكلام.

لكم أيضا أن تتخيلوا إن كان قافل الطريق قانونيا فماذا سيكون رده أمام القانون! أليس هذا بمثابة المسؤول المخالف للقانون الذي يحكم في أغلب بلداننا اليوم، ويا عجباه!

وبعد هذا الجدال والأخد والرد أراد رب العائلة استعمال الدبلوماسة فأوصل خبر قفل الطريق إلى رب العائلة التي منها القافل وأخبره الخبر.. فجنَ جنونه، وقال هذا لا يكون، وأخبره بأن الطريق ستفتح فوراً! ثم توالت الأخبار، وسمع الوسطاء والوجهاء بذلك، فتحركت الدبلوماسية ليصار إلى قافل الطريق، وما إن وصلوا إليه حتى واجهه عميد عائلتهم بكلام حاد ونبرة شديدة في الكلام تهديدا وتوعدا بسوء فعله، وبعد أخذ ورد اتفقوا على أن الفاصل في شأن هذه الطريق الشرع والقانون، فأجاب الجميع برجاحة الرأي، وكيف لا، ومن يتجرأ أن يعارض ذلك، واتفقوا أيضا على فتح الطريق في حينها ثم يصار إلى ما اتفقوا إليه.. ففتحت الطريق وهدأ غضب الأبناء، بل صار الوفاق إلى الشرع سيد الأحكام.

فبدأت النقاش شرعا وقانونا، فأجاب السادة العلماء بعد شرعية قفل الطريق وهذا ما لا يجوز، ثم أردفت قانونا فكان أكثر صرامة بعدم قانونية قفلها.. فصار الحكم نافذا وكان التسليم له سيد الأحكام، ولكن بعد هذا تخيلوا أن لم يعرفوا للدبلوماسية طريقا فماذا ستكون العواقب، وهل سيحفظون حقهم، أم ستضيع حقوقهم ويمنعون من أرضهم بقوة القانون أيضا، بل ربما سيخسرون أرضهم بسبب الطريق، أليس كذلك! ولكم أيضا أن تتخيلوا إن كان قافل الطريق قانونيا فماذا سيكون رده أمام القانون! أليس هذا بمثابة المسؤول المخالف للقانون الذي يحكم في أغلب بلداننا اليوم، ويا عجباه!

هكذا انتهت قصة قفل الطريق، والشاهد ليس هذه القصة بحد ذاتها، وإنما الشاهد هو العبرة منها، فقافل الطريق المتمسك بالشرع والقانون المخالف له هو بمثابة السياسي والقانوني الذي يخالف القانون ويريد أن يُطاع، بل ويوهم الجميع بأنه مع القانون، وأبناء العائلة هم بمثابة أبناء الوطن المدافعين عن حقوقهم الذين يريدون أن ينتزعوها بالقوة قبل كل شيء، وبِغيرتهم على أرضهم وحبها لها، هكذا هم أبناء الوطن الثائرين على الطواغيت، لنذكرهم دائما بأن القوة وحدها لا تكفي فالسياسة والحنكة أيضا قد تكون في لحظات سيد الميدان.